والإنس والجان جميعًا خاضعون منقادون لله لأن حركاتهم وسكناتهم كلها بيد الله سواء أحبوا ذلك أم كرهوا: {وظلالهم بالغدو والآصال} الظلال: جمع ظل وهو الخيال الذي يظهر للأشياء المادية والمراد به الهيكل الجثماني للحيوان الذي يمثل نفسه للعيان، والغدو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والآصال وهو ما بعد العصر إلى الغروب، والمعنى أن ظلال من في السماوات والأرض من هذه الأجسام القائمة مسلمها وكافرها كلها تخضع لإرادة الله بيقظتها إذ تقوم من مرقدها صباحًا للعمل ونومها عشيًا إذ تأوي إلى مضاجعها وليس في مقدورها أن تقاوم إرادة الله في هذين الوقتين فهي خاضعة ومقهورة على ذلك حبت أم كرهت.
بعد أن أقام الله الأدلة على وافر قدرته وعظيم حكمته وأكد خضوع كل حي في الوجود لأمره في حركته وسكونه ويقظته ونومه أمر رسوله أن يدعو المشركين إلى الإيمان، بأسلوب حكيم يلزمهم الحجة ويقيم لهم البرهان العقلي القاطع على وحدانية الله وشمول قدرته وإرادته، وأنه لا رب غيره، ولا معبود سواه فقال: {قل} أيها الرسول لمن يعارضك من المشركين: {من رب السماوات والأرض} أي خالقها وموجدها من العدم؟ ولما كانوا جميعًا يعتقدون بوجود الخالق ولكنهم ربما اختلفوا في الاسم الذي يطلقونه عليه أمره تعالى أن يسمه باسم يجمعون عليه إذ قال: {قل الله} أي لنجمع على تسميته بالله ثم بعد ذلك: {قل} لهم: {أفاتخذتم من دونه أولياء} أي أصحيح أنكم جعلتم لأنفسكم من دون الله رب السماوات والأرض معبودات من الجمادات أو المخلوقات تدعونها لتفريج الكرب وقضاء الحوائج بينما هم: {لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا} ومن عجز عن نفع نفسه فهو عن نفع غيره أعجز لهذا فإني لا أكاد أصدق هذا وأربأ بكم أن تنحط مدارككم إلى هذا الحد ثم: {قل} لهم أيضًا: {هل يستوي} في الإدراك: {الأعمى} الذي يسير في حياته على غير هدى: {والبصير} الذي تتضح أمامه السبل ليسلك ما راق له منها سيكون الجواب على هذا قطعًا بعدم التساوي ومعنى هذا أن من عرف الله رب السماوات والأرض وأبصره في مخلوقاته لا يمكن أن يتخذ من دونه أولياء: {أم هل تستوي الظلمات} التي تحيط بالإنسان فتجعله قابعًا في مكانه خائفًا: {والنور} الذي يحفزه على العمل غير هياب ولا وجل سيكون الجواب على هذا أيضًا بعدم التساوي، والكفر بالله معناه بقاء الإنسان في ظلمات الجهل والإيمان اهتداء بما جاء به الرسل من أضواء تكشف للناس سبل الخير وتحضهم على العمل النافع