يدعي بها لنفسه القدرة على دفع الخطر أو الوقاية من الشرور والآثام أو يقول إن هذا كان ببركة فلان أو بسر الولي الفلاني أو لأجل النذر الذي نذر له كما أنه تعالى قد سن لحياة البشر نظامًا علق بمقتضاه أعمال الظاهر على ما تكن السرائر فلا سبيل لأحد أن يغيرها حيث قال: {إن الله لا يغير ما بقوم} من نعمة وسعادة أنعم بها عليهم فيزيلها عنهم ويسلبها منهم ويذيقهم بدلها بؤسًا وشقاء لهوى في نفسه أو استجابة لرغبة أحد من خلقه ممن يزعم لنفسه شيئًا من الكرامات وخوارق العادات بل وفق ما وضعه لذلك من سنن يعود أمر تطبيقها إلى الناس أنفسهم فإذا هم حافظوا على النعم بشكرها والعمل على تنميتها بفعل الصالحات بقيت لهم: {حتى يغيروا ما بأنفسهم} من اتجاه نحو الخير إلى الشر فتتطلع نفوسهم إلى نهج غير الذي كانت عليه فتتبعها الجوارح ويتحول بذلك حالها من حال إلى حال وفقًا لتلك الأعمال ومصداقًا لهذه الآية فإن الله لم ينتزع العزة من عباده المؤمنين ويحكم الأجانب في رقابهم إلا عندما ضعف الإيمان في قلوبهم وتعدد المعتقد فيهم من دون الله وجاروا الغرب في اعتمادهم على الماديات فسلبوا نعمة الأمن وسعادة الحياة واستعمرهم من كان في مؤخرة الأمم: {وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له} يظن الكثير من الناس أن كل ما يعترض الإنسان في هذه الحياة من مصائب ومحن هي بإرادة الله بمعنى محض رغبته التي إذا تعلقت بأمر فهو لا بد كائن كما يدل عليه ظاهر هذه الآية فإذا أصيب الإنسان بمرض نسبه إلى إرادة الله وإذا عالجه وشفي منه نسب الشفاء إلى الطبيب المعالج، وهذا من ضعف الإيمان أو عدم فهم معاني آيات القرآن فكل شيء بإرادة الله وهو سبحانه الذي جعل من الأسباب ما يؤدي إلى وجود الداء كما جعل من الأسباب ما فيه الدواء وكلاهما بإرادة الله التي كشفت للناس عن حقيقة الأمرين وهدتهم النجدين ومكنتهم من سلوك كلا السبيلين فإذا ما عرضوا أنفسهم لأسباب الأمراض وأصيبوا بها كان ذلك بإرادة الله وإذا ما توقوها أو عالجوها وشفوا منها كان ذلك أيضًا بإرادة الله لا أن المرض أو الشفاء أمر مترتب على رغبة في ذات الله سابقة بمرض عبده أو شفائه بصورة خاصة وقد بسطنا هذا الموضوع في الصفحة 12 من الجزء الثامن من هذا التفسير وقلنا إن إرادة الله تنقسم إلى قسمين إرادة كونية نظامية ثابتة وهي التي سبقت مشيئته تعالى بخلق جميع الكائنات وما سن لها من نظم تسير عليها ويؤاخذ الله الناس بمقتضاها وهذه تشمل ما يحبه تعالى وما يبغضه من عمل فصله لهم وأرشدهم إلى سبله وطريق الوصول إليه