للعيان وما سيتوصل العلم إلى معرفته مما كان في طي الخفاء فلا يستطيع أحد أن يأتي بمعجزة تجعله يحيط بكل ذلك: {الكبير} الذي يصغر في جانب عظمته كل كبير: {المتعال} وقرئ «المتعالي» بالياء أي المرتفع عن جميع مخلوقاته فهو مطلع عليهم والخلق جميعهم أسفل منه فلا يخفى عليه شيء مما يصدر منهم من قول أو عمل: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} فإنه تعالى يراكم ويسمع من أحاديثكم ما كان سرًّا أم جهرًا وهو كما قال في آية أخرى: {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} بل: {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} كما أنه يعلم من أفعالكم كل حركة أو سكون: {ومن هو مستخف بالليل} أي لا يخفى عليه من أعمالكم شيئًا سواء منكم من هو مختف في عقر داره في ظلام الليل الدامس: {وسارب بالنهار} أي ظاهر بذهابه في سربه أي طريقه في وضح النهار فلديه تعالى يستوي أمرهما وعلمه بهما على حد سواء. وهنا أشار تعالى إلى انفراده بالعون عند النائبات فقال: {له معقبات} أي أنه تعالى جعل لكل إنسان ملائكة يعقب بعضها بعضًا لا تنفك عنه: {من بين يديه} أي أمامه: {ومن خلفه} أي من وراءه بمعنى جميع جهاته مهمتهم معه أنهم: {يحفظونه من أمر الله} لقد تحير المفسرون في إدراك معنى الحفظ من أمر الله مع أن أمر الله نافذ فكيف يحفظ منه ومن أجل هذا قالوا إن المعنى بأمر الله وعندي أن اللفظ جار على مجراه وأن الملائكة تحفظ الإنسان من أوامر الله القدرية ويتجلى مفعول هذا الحفظ فيما أودعه الله في الكرويات البيضاء في جسم الإنسان التي أثبت الطب أن مهمتها الدفاع عن الجسم ضد البرد وابتلاع الجراثيم الضارة التي تفد إليه من الخارج كذلك يتجلى مفعول هذا الحفظ فيما أودعه الله في الكبد من المزايا التي من أهمها إبادة السموم التي تتشكل في جسم الإنسان من الداخل والتي هي من أمر الله وكذلك يتجلى مفعولها في الأسرار التي ينجو بها الإنسان من المخاطر في كثير من الأحوال بطرق لم تكن في الحسبان فتدلنا على أن هناك ملائكة ذوات قوى خفية هي التي كانت سببًا في النجاة فإذا ما حصل حريق مثلًا فلاشك أن الحريق من شأنه أن يهلك سكان تلك الدار وعندئذ تبدو مهمة الملائكة إذ تحرس وتنجي من الموت من لم ينته أجله بعد حيث يقال إن فلانًا نجا بأعجوبة وما الأعجوبة في الواقع إلا حراسة من وكل الله إليهم أمر حفظه من الملائكة، قال سيدنا علي «ما من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط أو يتردى في بئر أو يأكله سبع أو يغرق أو يحرق فإذا جاء القضاء خلوا بينه وبين القدر» فليس من حق أحد أن يأتي بمعجزة