غفور رحيم ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين وبمقتضى هذه الآيات فإنك أيها القارئ الكريم إذ تؤمن بالله وتثق بصدق هذه الآيات يجب ألا يداخلك أي شك فيما أقوله من أن في استطاعتك أنت أن تكون من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وأن تنال سعادة الدنيا والآخرة متى آمنت بالله واستقمت في عملك بمعنى طبقت دستور الله في حياتك وحرصت على اتباع كل ما فيه رضاء ربك والابتعاد عما يغضبه بقدر المستطاع وحذار أن تخدع بمن يزعمون لأنفسهم شيئًا من الكرامات أو العلم بالمغيبات ولا تؤمل في أحد منهم شيئًا من المدد والنفحات أو قضاء الحاجات ولا يداخلك أي شك في أن الإنسان إذا قوي إيمانه بالله أكرمه وحقق له سبحانه جميع الرغبات ولو كانت من خوارق العادات.
بعد أن حكى الله قول الذين كفروا: {لولا أنزل عليه آية من ربه} ورد عليهم بحصر مهمة رسوله في مجرد إنذار الناس بالقرآن الذي جعله الله المعجزة الوحيدة له والذي هو خاتمة المعجزات الخالدة على ممر الأزمان أراد أن يحطم الأسس التي تقوم عليها دعوى المعجزات وهي العلم بالمغيبات والعون في النائبات ومنح النفع لسائر المخلوقات والتحكم في المقدرات فقال: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} من سائر أنواع المخلوقات من ذكر وأنثى واحد أم متعدد تام التكوين أم ناقصة وما لونه وما شكله وكل جزء من أجزاء جسمه: {وما تغيض الأرحام} أي ما يكون في الرحم من الأسباب الحقيقية لعدم الحمل بتاتًا: {وما نزداد} أي ما يكون سببًا لكثرة الأولاد أو قلتهم مما لا يعلم حقيقته غير الله فليس من حق أحد أن يدعي العلم بشيء من ذلك حتى تكون له معجزة: {وكل شيء} من أي نوع من أنواع المخلوقات: {عنده} أي في نظام الله الكوني: {بمقدار} خاص به فمواعيد الحمل عند الإنسان غيرها عند سائر الحيوانات ولكل حي في الوجود أوصافه ومميزاته الدقيقة عما سواه فمن قدر له أن يكون طويلًا لا يستطيع أحد أن يأتي بمعجزة تجعله قصيرًا ومن قدر له أن يكون أسود فلن يستطيع أحد أن يأتي بمعجزة تغير لونه وتجعله أبيض: {عالم الغيب} أي ما وراء الماديات من عالم القوى وما يجول في الخاطر من النيات: {والشهادة} أي ما هو تحت نظر الإنسان من الأمور المشاهدة بالنظر أو المكبرات كالجراثيم «الميكروبات» التي تولد كثيرًا من الأمراض كما قال تعالى «وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين» وفي هذا تنبيه إلى إحاطة علم الله بكل ما بدا