وقد يكون كل منهما في زهرة كالقرع مثلًا: {يغشى الليل النهار} أي أنه تعالى هو الذي يغطي النهار بظلمة الليل فيصير الجو ظلامًا بعد أن كان مضيئًا وكذلك يلبس الليل ضياء النهار حتى يصبح الجو مضيئًا: {إن في ذلك} أي ما ذكر من مد الأرض وتثبيتها بالرواسي وإجراء الأنهار خلالها وما سنه من النظام العجيب في تكوين الثمار وطغيان الظلمة على الضوء بالليل والضوء على الظلمة بالنهار: {لآيات} دلائل وحجج: {لقوم يتفكرون} أي يحيلون الفكر ويطيلون النظر في هذه الأمور التي لا يمكن أن تحدث عفوًا بل لا بد أن تكون بقدرة إله حكيم لا يصدر في تصرفاته إلا على ما فيه مصلحة عباده وعمار كونه: {وفي الأرض قطع متجاورات} أي بقاع بقرب بعضها من بعض ولكنها تختلف بالتفاضل فمنها السبخة التي لا تنبت وإلى جانبها بقعة جيدة التربة تنبت أفضل الثمرات ومختلف النباتات ومنها الأرض الصلبة المتحجرة ومنها الرملية المتفتتة وكلها من صنع الله الذي وضعها في مواضعها للناس ليدركوا مبلغ قدرته ودقة تدبيره: {وجنات من أعناب} أي وفي الأرض بساتين من أشجار الكرم: {وزرع} من أنواع شتى منها ما هو صالح للغذاء كالحبوب والخضار ومنها ما هو للزينة كالزهور والرياحين: {ونخيل صنوان} أي يجمعهما أصل واحد تتشعب فروعه: {وغير صنوان} أي متفرقات مختلفة الأصول: {يسقى} الجميع: {بماء واحد} لا اختلاف في طبعه: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} أي ومع ذلك فإن الثمرات التي تنتج منها تجدها مختلفة في الشكل والقدر والطعم والرائحة فكيف حصل هذا.
{إن في ذلك} أي أن ما حصل من التفاضل والاختلاف بين الثمرات رغم تلاصقها في المنبت وتشابهها في وسائل النمو وسقياها بماء واحد: {لآيات} تدل على وجود صانع مدبر حكيم: {لقوم يعقلون} أي لكل من حكم عقله وتجرد عن عصبيته لما تلقاه من الخرافات والمعتقدات الفاسدة التي لا أصل لها في دين الله.
بعد أن عرّف الله ذاته العلية لعباده بآثاره البادية للعيان وتصرفاته التي لا ينكرها كل من له عقل وجنان أخذ يندد بمنكري البعث فقال: {وإن تعجب} لشيء أيها السامع من أقوال العقلاء الذين يؤمنون بوجود الله من آثاره وتصرفاته: {فعجب قولهم أئذا كنا ترابًا أئنا لفي خلق جديد} لأن هذا القول منهم يدل على منتهى الغباوة فإن من خلق السماوات والأرض وسائر العوالم على هذا الصنع الدقيق والنظام البديع الذي لا يستطيعون المكابرة فيه لا يعجزه إعادته بعد فنائه في خلق