الصفحة 1286 من 1760

مستمدة منها وبأمر وإذن منه وهذا لا يقتضي أن تكون تلك الأعمال بعيدة عن دوائر معلوماته تعالى حتى يقال إن علمه تعالى كان أنفًا بل إن علمه سابق من الأزل وقد: {أحاط بكل شيء علمًا} ولا يعزب عنه مثقال ذرة: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} فصفة العلم ثابتة لله كثبوت صفة القدرة والخلق وسائر الصفات وكل منها قائم بذاته وجار في مجراه ولا تعارض بينها لا يسأل عما يفعل من الخلق والإيجاد، كما أنه لا يحكم بعلمه بل «بحكمه» أي بحكم القرآن القائم على أساس العدل الذي أخذه على نفسه وفقًا لدستور القدر وما أنزله من الكتب بين العباد: {وجاء بكم من البدو} فهذا المجيء وإن كان من فعلهم إلا أنه بلا شك لم يكن إلا بسبب الضائقة التي هي من قضاء الله الذي حبس المطر عنهم سبع سنوات وهي التي حملتهم على طلب الزاد من مصر ولولاها لما فكروا في الارتحال من ديارهم ولا في طرق باب العزيز: {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} بما صوره لهم من أن حب يعقوب ليوسف قد يحرمهم من حنانه عليهم وهذا وهم فاسد لا يوسوس به غير الشيطان: {إن ربي لطيف لما يشاء} أي لطيف في تصرفاته يحول بلطفه دون نفاذ أحكامه القدرية ولذا رُوِيَ من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم «رب لا أسألك رد القضاء وإنما أسألك اللطف فيه» : {إنه هو العليم} بما كان وما يكون: {الحكيم} في تدبيره إذ جعل الإنسان محل الزلل وجعل من حقه تعالى اللطف فيما هو من أحكام القدر: {رب} أحمدك وأشكرك لأنك: {قد آتيتني من الملك} ما مكنني من ضم والديَّ وأخوتي إليَّ: {وعلمتني من تأويل الأحاديث} ما جعلته سببًا لإخراجي من السجن ونيل الحظوة والثقة عند الملك: {فاطر السماوات والأرض} الذي اخترعهما وأنشأهما بلا مثال: {أنت ولي في الدنيا والآخرة} ولولا ولايتك وتوجيهك لي في كل الأمور لما بلغت هذه الدرجة الرفيعة وخلصت من الفتن التي دبرت ضدي: {توفني مسلمًا} أي اختم حياتي منقادًا لأوامرك واقفًا عند حدود شريعتك: {وألحقني بالصالحين} من آبائي السابقين، وهنا عند انتهاء هذه القصة وجه الله خطابه إلى رسوله الأمي صلى الله عليه وسلم فقال: {ذلك} أي ما قصصناه عليك أيها الرسول عن يوسف وما جرى له: {من أنباء الغيب} التي لم يكن يعلم بها ولا تفاصيلها أحد من قومك: {نوحيه إليك} أي نخبرك به عن طريق الوحي بتفصيلات دقيقة من أساس القصة كيف بدأت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت