وهو من الأفعال التي يخلقها الإنسان وفق سنن الله وهي من قدر الله داخلة ضمن مشيئته وسيؤاخذ الله الناس عليها بعد أن نبههم إلى ما يضر وما ينفع، ورزقهم من العقل ما يميزون به الخير من الشر والصالح من الضار فيكون إخراج يوسف من السجن لا شك أنه من فعل الله الذي وهبه القدرة على تعبير الرؤيا التي كانت سببًا في عطف الملك عليه واختياره لذلك المركز السامي وخروجه من السجن هو بلا شك من فعل يوسف لكن بما وهبه الله من الجوارح والسيطرة عليها فهو في الواقع ونفس الأمر لم يكن إلا مستندًا ومستخدمًا لقوة الروح التي هي من قضاء الله وبهذا يكون الإحراج والخروج في ذاته من فعل يوسف وخلقه وإن كان قائمًا على أساس ما قضاه الله له من الحياة وما قدره لذلك من الأسباب لا كما كان يتصوره العلماء من أن الله خلق أفعال العباد كلها من الأزل من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وشاءهم عليها.
وأن أعمال العباد تجري تنفيذًا لما سبق في علمه تعالى. إذ العلم معناه الإحاطة وليس هو أداة تنفيذ كالأمر والله سبحانه وتعالى عندما قضى بخلق العباد وقدر الأقدار ترك لهم الخيار الكامل في جميع تصرفاتهم وعلم بما سيكون منهم وسجل ذلك عنده في أم الكتاب لإثبات كمال العلم حيث قال: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} وهذا لا يعني قطعًا أنه تعالى سجل ذلك عنده ليحمل الناس على تنفيذ مقتضاه لأن هذا يعد جبرًا والجبر مناف للخيار وإنما هو لإثبات كمال علمه تعالى بشؤون خلقه والدليل على هذا أن الله سبحانه إذ خلق الملائكة وشاء لهم من الأزل أن يسبحوا بحمده ويقدسوه ولا يعصوه فيما يؤمرون لم يستطيعوا إلا أن يكونوا كما شاء ولو شاء الجن والإنس مثلهم مسخرين للعبادة لكانوا كذلك ولكنه تعالى شاء لها الحرية في النية والقول والعمل وقال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي ليدعونني بما يعن لهما على مر الأزمان من مختلف المطالب المتجددة والمحدثة فأحققها لهم برًّا بوعدي القائل: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} فإجابة الدعاء موقوفة على صدوره من الداعي وتحقيق الآمال مرتبط بما سنه تعالى لذلك من أعمال العباد أنفسهم وهذه متوقفة على وجود قوة تجعلها صالحة للعمل وهي قوة الروح التي هي من أمر الله فإثباتنا للإنسان المشيئة أو خلق أعمال نفسه ليس أمرًا مشكلًا كما بدا للمتقدمين من العلماء والمفسرين لأنه لا يعني بحال من الأحوال أن للعبد مشيئة أو قوة ذاتية على العمل خارجة عن مشيئة الله وقوته بل هي