الصفحة 1284 من 1760

تعلمون فقد كنت واثقًا من أن يوسف لم يمت ولذلك أمرتكم بالتحسس عنه وعن أخيه وأن لا تيأسوا من روح الله. فلم يسعهم إلا أن يعترفوا بجهلهم وجرمهم في حقه وحق يوسف وأخيه: {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا} أي ادع الله أن يسامحنا ويعف عما صدر منا: {إنا كنا خاطئين} فيما مضى فلم يلب طلبهم وأجل ذلك إلى أن يجتمع إلى يوسف ويرى رأيه فيهم ويستسمحه عنهم: {سوف أستغفر لكم ربي} وأنا على يقين بأنه تعالى لا يرد دعوة من دعاه خصوصًا وقد اعترفتم بذنبكم وأعربتم عن حاجتكم إلى الغفران: {إنه هو الغفور} الذي يملك حق الغفران: {الرحيم} الذي وسعت رحمته كل شيء فاستبشروا بهذا الوعد وهذا الأمل في رحمة الله ومضوا في ركاب والدهم إلى مصر إلى أن بلغوها: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه} أي ضمهما وعانقهما: {وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} على أنفسكم من لوعة الفقر بعد اليوم فإني سأقدم لكم كل ما تحتاجون إليه من الطعام والشراب: {ورفع أبويه على العرش} أي أخذ بيديهما وأصعدهما إلى كرسي الملك الذي يجلس هو عليه: {وخروا له سجدًا} أي انحنى الجميع خضوعًا واحترامًا له: {وقال} يوسف: {يا أبت هذا تأويل رؤياي} التي قصصتها عليك: {من قبل} إذ رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين فأحملت تعبيرها لي: {قد جعلها ربي حقًّا} أي وقد رأيت تعبيرها الآن في اليقظة فها هم إخوتي الكواكب الأحد عشر وها أنت وأمي الشمس والقمر أخضعكم الله جميعًا لي: {وقد أحسن بي} أي تفضل وأنعم علي جل جلاله: {إذ أخرجني من السجن} لقد أضاف يوسف أمر إخراجه من السجن ومجيء أهله من البدو إلى ذات الله ففهم الناس من هذا أن جميع أعمال العباد هي بعينها بأمر الله الذي لا يمكنهم العدول عنه وترتب على هذا اختلافهم فيما إذا كان الإنسان يخلق أفعاله الاختيارية فيكون مؤاخذًا عليها أم لا يخلقها فهو مجبر عليها ومن هنا نشأ خلافهم في موضوع القضاء والقدر وانقسامهم إلى جبرية وقدرية ومعتزلة وقد وفينا الموضوع حقه من البحث وفصلنا موضوع القضاء والقدر غير مرة وفرقنا بين الإرادة والمشيئة وبين القضاء الذي هو أحكام الله القاطعة كالخلق والتكوين وسائر الأفعال، وبين القدر الذي هو أحكام الله التي قدَّرها وترك للعباد أمر اختيار ما يريدون منها وقلنا أن الحركة التي هي أساس الفعل لاشك أنها مخلوقة لله لأنها من لوازم الحياة وهي من قضاء الله وأما توجيهها إلى اليمين أو الشمال فإنه ليس خلقًا لأساس الحركة بل توجيهًا لها إلى أحد الجوانب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت