التوبة والاستغفار الأمر الذي استرعى انتباههم بأنه لا بد أن يكون عالمًا بكل شيء: {قالوا أئنك لأنت يوسف قال} نعم: {أنا يوسف} الذي ألقيتموني في الجب وقطعتم الأمل من حياتي: {وهذا أخي} الذي راودتم عنه أباه لتسلموه إلي وزعمتم أن السرقة من طبيعته شأنه في ذلك شأن أخيه: {قد منّ الله علينا} إذ جمعنا ببعضنا وأوصلنا إلى ما نحن فيه من النعم: {إنه من يتق} أي اعلموا أن الله في دستوره السماوي يقضي بأن من يراقبه وينتهي عن المحرمات: {ويصبر} على ما ناله من الأذى في سبيل الله: {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} أي فإن ذلك من كمال الإحسان والله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا: {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا} أي إنا نشهد بأن الله قد فضلك علينا بالتقوى والصبر: {وإن كنا لخاطئين} الخاطئ من يرتكب الذنب عن غير قصد: {قال لا تثريب عليكم اليوم} أي ليس هذا أوان اللوم والمناقشة في أمر مضى: {يغفر الله لكم} أي وإنما ينبغي لكم أن تستغفروا الله عما صدر منكم ليغفر لكم: {وهو} سبحانه: {أرحم الراحمين} الذي شملت رحمته كل شيء فلا يعجزه أن يرحمكم ويتجاوز عن سيئاتكم، والمهم الآن هو أن نعمل على تلافي ما كان من أثر صنيعكم بوالدي ثم خلع لهم قميصه الذي يلبسه وقال: {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا} أي ألقوه على وجهه حين وصولكم إليه يتقشع البياض الذي غشي بصره من اثر الحزن ويسرع بالحضور إلي: {وائتوني بأهلكم أجمعين} أي وأني أدعوكم للحضور معه بأهلكم جميعًا ولا يتخلف أحد منكم عن مرافقته لتكونوا في ضيافتي مكرمين معززين.
لقد سر الجميع بهذه الدعوة وأعجبوا بهذا الكرم الذي منّ الله به عليهم إذ تجاوز يوسف عن سيئاتهم وقفلوا راجعين إلى بلادهم يحملون البشرى لوالدهم ويتعثرون بأذيال الخجل منه: {ولما فصلت العير} أي تجاوزت الإبل بهم حدود مصر في طريقها إلى الشام وإذا برائحة يوسف تنتقل إلى أنف يعقوب حتى أنه: {قال} لمن حوله: {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون} أي تكذبوني وتنسبون إليَّ الفند وهو الخَرَف وضعف القوى العاقلة: {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم} أي إن هذا وهم منشؤه أنك لا تزال تتصور أن يوسف لا يزال على قيد الحياة: {فلما أن جاء البشير} وهو من تقدم الركب من الإخوة: {وألقاه} أي قميص يوسف: {على وجهه فارتد بصيرًا} أي عاد بصيرًا في الحال وهنا: {قال ألم أقل لكم} من قبل: إني أعلم من الله ما لا