إبراهيم لمحزونون» والأنبياء بشر يجري عليهم ما يجري على سائر الناس من الحزن والفرح والتألم للمصائب ويمتازون عنهم بأنهم لا يفكرون في الانتقام لأنفسهم بأنفسهم بل يفوضون أمورهم إلى بارئهم، لقد تألم أولاد يعقوب عندما رأوه فقد بصره وهو يبكي ويردد ذكر يوسف فلحقوا به في عزلته: {قالوا تالله} إنك: {تفتؤ تذكر يوسف} أي نقسم إن استمرارك على ذكر يوسف وإيغالك في الحزن عليه مما يؤدي بك إلى ما لا تحمد عقباه: {حتى تكون حرضًا} أي يعتريك فساد في الجسم والعقل: {أو تكون من الهالكين} أي الميتين: {قال} يعقوب: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} بث الخبر أذاعه ونشره والحزن ما في داخل النفس من همٍّ أي إني لا أشكو من أموري شيئًا لأي مخلوق سواء كان من الأمور في الظاهرة أم من الآلام النفسية الباطنة: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} فأنا أعلم مما علمني ربي من تعبير رؤيا يوسف أنه لم يمت وأنه سيتبوأ مكانًا ساميًا يجعلني وإياكم نخضع له وربما كان هذا أيضًا سببًا لإصرار العزيز على طلب بنيامين واستبقائه لديه وقد أدرك يعقوب أنه لا بد وأن يكون في الأمر سر خفي لا بد لهم من السعي لاكتشافه ولذا قال: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه} أي تعرفوا أخبارهما بحواسكم من سمع وبصر: {ولا تيأسوا من روح الله} الروح النسيم الذي تستريح به النفس والمعنى لا تيأسوا أن يأتي الله بفرج ولطف من عنده كالنسيم البارد يأتي للإنسان في أشد ساعات الحرارة: {إنه لا ييأس من روح الله} أي من النفحات الإلهية: {إلا القوم الكافرون} بوجود الله وسلطانه على هذه الكائنات ورحمته بعباده، فكان لهذا القول أثره في نفوس الإخوة وبادروا بالارتحال وسافروا إلى مصر وكان أول ما قصدوا قصر العزيز: {فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} أي شدة القحط وفقدان الزاد: {وجئنا ببضاعة مزجاة} بفتح الجيم مفخمة وقرئ بالإمالة أي مخلوطة بين صالح ورديء: {فأوف لنا الكيل} أي لا تنقص منه شيئًا بسبب رداءة بضاعتنا: {وتصدق علينا} بعتق بنيامين ورده لنا: {إن الله يجزي المتصدقين} بما في أيديهم ابتغاء مرضاته خير الجزاء: {قال} يوسف وقد ذكر ما أوحي به إليه من قبل من قوله تعالى: {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} : {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه} أي علمتم الجريمة التي اقترفتموها ضدهما وما يترتب عليها من ضر بوالدكم: {إذ أنتم جاهلون} أي في حال جهلكم قبح ما فعلتم في حكم الشرع وما عليكم من حقوق بر الوالدين وصلة الرحم وهذا بمثابة تلقين لهم بالعذر وحض على