الصفحة 1279 من 1760

بحضورهم جميعًا: {من وعاء أخيه} فبهتوا ولم يدركوا أن تلك حيلة دبرت عليهم: {كذلك} أي ما صدر من يوسف من وضع الصواع في رحل أخيه واتهام إخوته بالسرقة وسؤالهم عن جزاء السارق وإفتائهم بأن من وجد في رحله فهو جزاؤه كل ذلك من الأمور التي: {كدنا ليوسف} أي دبرناها لمصلحة يوسف تدبيرًا خفيًًّا ظاهره الإثم ودفعناه إليه ليبلغ به غايته ولولاه: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} أي ما كان في استطاعته أن يأخذ منهم أخاه بحسب شريعته وشريعة آبائه يعقوب وإبراهيم بدون حق فهذه المكيدة التي دبرها يوسف هي التي حملت الإخوة على الحكم باسترقاق السارق المكذب لبراءتهم ولولا ذلك لحكموا عليه بالتغريم أو التعزير جزاء على السرقة مما لا يريده يوسف ولم يدبر الكيد من أجله: {إلا أن يشاء الله} سببًا آخر لأخذه فيلهمه إياه ولكنه لم يهده إليه فدل هذا على أن ما ذكر كان من كيد الله أي تدبيره الذي علمه له وأجراه على يده وارتضاه فلا إثم فيه لأن إبقاء بنيامين عند أخيه كان عملًا صحيحًا في ذاته وقد أخبره بأنه أخاه ليكون على بينة من أمره فلا يزعجه ما سيدبره من الحيل لاستبقائه لديه، ولولا هذا الكيد وهذه الحيلة لما تم ليوسف ما يريد إذ لو علم الإخوة من قبل بأن يوسف هو خازن الأقوات لما جرؤوا على لقائه بعد ما أساؤوا إليه ولكتموا الأمر على أبيهم لئلا يفتضح أمرهم: {نرفع درجات} بالتنوين في العلم بحقائق الأمور وما فيه من المصلحة والخير وقرئ بإضافة درجات إلى ما بعدها: {من نشاء} له الرفعة فنلهمه الحكمة وحسن التدبير: {وفوق كل ذي علم عليم} أي أن علوم البشر كلها قاصرة لأنها تقوم على أساس التجارب والأحكام الظاهرة أما علم الله فإنه علم واسع مبني على حقائق الأمور وحسن مقاصدها وقد انطلى هذا الكيد الإلهي على إخوة يوسف وحسبوا أن بنيامين فعلًا كان هو سارق الصواع فأرادوا أن يظهروا للعزيز قناعتهم بثبوت السرقة على بنيامين فأيدوها وأعلنوا براءتهم من عمله وعزوه إلى طبع سرى إليه من جهة أمه: {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} ويعنون به يوسف أخاهم من أبيهم دون أمهم: {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} أي كتم غيظه واتهامهم له في مواجهته من جديد بما لم يصدر منه حرصًا على تطبيق الخطة التي رسمها لإحضار أبيه: {قال} في نفسه: {أنتم شر مكانًا} أي أنتم شر منزلة في السرقة إذ سرقتموه من أبيه: {والله أعلم بما تصفون} أي بما تنسبونه إليه الآن من السرقة التي هو منها بريء: {قالوا يا أيها العزيز} نحن لا نعارض في استحقاقه بالاسترقاق ولا نرجع عن حكمنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت