وزيهم وعددهم فأكرم مثواهم: {وهم له منكرون} أي يستنكرون هذا العطف منه عليهم ولا يعلمون له سببًا ولم يدر بخلدهم قط أن يكون هو أخاهم الذي نبذوه من قبل خصوصًا لما هو عليه من مظاهر الترف وعظمة الحكم: {فلما جهزهم بجهازهم} أي هيأ لهم ما طلبوه منه: {قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم} وهو يقصد من هذا أن يذكرهم بنفسه وينبههم إلى أنه يعرف كل شيء عنهم ومع ذلك فإنهم لم يتذكروه: {ألا ترون أني أوفي الكيل} أي أتمه ولا أبخسه: {وأنا خير المنزلين} أي المضيفين لضيوفه: {فإن لم تأتوني به} عند عودتكم للحصول على الميرة مرة أخرى: {فلا كيل لكم عندي} أي فسوف لا أسمح لكم بأخذ شيء من الأقوات من بلادي: {ولا تقربون} أي لا تحوموا حول دائرتي ولا تطمعوا في ضيافتي فلم يلفت قوله هذا نظرهم ولم يفكروا في الأسباب التي حملته على التأكيد عليهم بإحضار أخيهم معهم ولا ماذا يريد من إحضاره إليه بل ربما صادف هذا هوًى في نفوسهم من أجل الخلاص منه لحب والده له: {قالوا سنراود عنه أباه} أي سنجتهد ونحتال على أبيه لننتزعه من يده ونأتي به إليك لتفعل فيه ما تشاء: {وإنا لفاعلون} ذلك لا محالة بأي طريقة كانت: {وقال} يوسف: {لفتيانه} وقرئ «لفتيته» أي غلمانه الكيالين: {اجعلوا بضاعتهم} التي جاءوا بها ودفعوها ثمنًا للطعام من مصنوعات فلسطين: {في رحالهم} الرحال ما يستصحبه المسافر من الزاد والمتاع بمعنى دسوها في أمتعتهم: {لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم} أي لعلهم عند مشاهدة بضاعتهم في رحالهم يقع في قلوبهم أنها جاءت سهوًا: {لعلهم يرجعون} أي فيحملهم ذلك على التعجيل بالرجوع إليه لمعرفة السبب في ذلك أو لرد المال لصاحبه فهم من نسل الأنبياء الذين لا يستحلون ما حرم الله ولأجل أن يدرك والده من طلبه ابنه وإعادة البضاعة إليه ما يطمئنه بأنه لا يقصد به السوء فلا يثقل عليه إرساله معهم.
لقد عاد إخوة يوسف وهم يفكرون في الحيلة التي يؤثرون بها على والدهم حتى ينتزعوا أخاهم بنيامين من يده وفاءً بتعهداتهم ليوسف فلم يجدوا طريقة أقوى من الكذب عليه وإفهامه بأنه لا سبيل لنيل الغلال من مصر إلا بإثبات وجود سائر أفراد العائلة: {فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل} إلا أن يحضر جميع أبنائك: {فأرسل معنا أخانا نكتل} فذلك شرط اشترط علينا لا مناص من الرضوخ له وإلا فإنا سنحرم من الزاد وأنت أعلم بمبلغ حاجتنا إليه: {وإنا له} أي لأخينا: {لحافظون} من أن يناله أي مكروه: {قال} يعقوب جوابًا على قول أبنائه: هل