ما يتكئن عليه من نمارق ومساند: {وآتت كل واحدة منهن سكينًا} لتقطيع الطعام كما هي العادة عند قدماء المصرين وفي عصرنا هذا فلما باشرن تناول الطعام وأمسكت كل واحدة بسكينها انتهزت هذه الفرصة: {وقالت} ليوسف: {اخرج عليهن} لتقدم لهن ما يحتجن إليه من ماء وخلافه: {فلما رأينه} أي رأت النسوة يوسف: {أكبرنه} أي دهشن مما هو عليه من جمال فاتن وحسن رائق وأدب فائق: {وقطعن أيديهن} بالسكاكين وهن يظنن أن التقطيع إنما هو لما فيها من الطعام أو الفاكهة من فرط ذهولهن بجماله: {وقلن حاش لله} أي معاذ الله: {ما هذا بشرًا} فهذا الجمال لم يعهد في البشر مثله: {إن هذا إلا ملك كريم} أي إنه لم يكن مخلوقًا من الطين بل إنه خلق من النور، وتمنت كل امرأة أن يكون لها مثله في الحسن والجمال، وبهذا وصلت امرأة العزيز إلى الغاية التي قصدتها من دعوة النسوة اللاتي حكمن بضلالها وهي إيقاعهن في شراك حبه أو عذرهن لها في تطلعها إليه: {قالت} لهن: {فذلكن} الجمال الفاتن الذي أذهلكن وأفقدكن إحساسكن حتى قطعتن أيديكن من غير اختيار هو: {الذي لمتنني فيه} أي في بلوغ حبه إلى شغاف قلبي ولا شك أنكن قد عذرتنني فيما صدر مني فلا مانع عندي أن أصارحكن بالحقيقة التي كنت أخفيها: {ولقد راودته عن نفسه} دون أن أشعر بما لي ولزوجي من كرامة كما قطعتن أيديكن دون أن تشعرن: {فاستعصم} لم تقل فامتنع إشارة إلى ما وجدته من شدة امتناعه القائم على أساس من العقيدة والإيمان الكامل، وهذه شهادة من امرأة العزيز بصدق يوسف فيما قاله لزوجها وبراءته مما اتهمته به من إرادة السوء من شأنها أن توقفها عند حدها وتكبره في نظرها وتكف عن محاولاتها إيقاع الأذى به غير أن مشاركة النساء لها في الإعجاب بجماله قد ضاعف في نفسها حبه وحملها على أن تعلن ما اعتزمت عليه أخيرًا من استعمال الشدة معه لبلوغ غايتها إذ قالت لهن على مسمع منه: {ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين} فإني صاحبة الأمر المطاع وبيدي أمر السجن والتعذيب. وما إن سمع يوسف مقالة النسوة وما هددت به امرأة العزيز وخاف على نفسه من تألبهن عليه حتى لجأ إلى مولاه قائلًا: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} أي إني لا أملك إلا جسمي وأنا قادر على تحمل ما يصيبني من أذى في سبيل رضاك وأما قلبي فإنه ليس في يدي ولا سلطان لي عليه وأنت وحدك المهيمن عليه ولذلك فإني أسألك أن تعصمه من كل ما يغضبك: {وإلا تصرف عني كيدهن} أي ترد