عني بلطف خفي منك ما يدبرنه لي من مختلف المكائد والمغريات فإني وإن استطعت أن أقاوم امرأة واحدة لا أقدر على مقاومة جمع منهن وعندئذ: {أصب إليهن} أي أميل بقلبي إلى حبهن فما أنا إلا بشر يجوز عليّ ما يجوز على سائر البشر من الحب والبغض والرغبة في الاستمتاع بأنواع الملذات: {وأكن من الجاهلين} الذين يستجيبون لعواطفهم ويتبعون شهواتهم: {فاستجاب له ربه} الذي قطع على ذاته العلية وعدًا لن يخلفه هو أن يستجب دعاء من دعاه: {فصرف عنه كيدهن} أي أنه صرفهن عن معاكسته وتدبير الفتن والمغريات لإيقاعه في شباكهن وذلك بالحيلولة بينه وبينهن: {إنه هو السميع} لدعاء يوسف: {العليم} بخير الوسائل لصرف كيدهن عنه وما يؤدي به إلى الرفعة والسلطان المنتظر: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات} الدالة على براءته وعفته ونزاهته واحتقاره للشهوات: {ليسجننه} من غير ذنب مع المجرمين والسفاحين: {حتى حين} أي سجنًا مؤقتًا لا يقصد منه التأديب ولا الجزاء على أمر اقترفه بل من أجل تضليل الرأي العام وإفهامه أنه كان مجرمًا في حق امرأة العزيز وما ذلك في الواقع ونفس الأمر إلا وسيلة للحيلولة بينه وبين النساء وصرفهن عن الاتصال به وتدبير المكائد له وتحقيقًا لقوله: {السجن أحب إلي} : {و} عند تنفيذ ما رأوا من سجنه: {دخل معه السجن فتيان} رُوِيَ عن ابن عباس أن أحدهما خازن طعام الملك والآخر ساقيه بتهمة أنهما دسا له السم: {قال أحدهما} ليوسف: {إني أراني أعصر خمرًا} أي إني رأيت في المنام كأني أعصر عنبًا أعده ليكون خمرًا: {وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه} الطير جمع واحده طائر: {نبئنا بتأويله} أي قال كل منهما ليوسف نبئني بتأويل ما رأيت: {إنا نراك من المحسنين} في معاملتك لأهل السجن والإحسان على الناس دليل على صلة المحسن بالله تجعله على هدى ونور منه جل وعلا فما إن سمع يوسف منهما هذا القول حتى أراد أن يؤيد لهما رأيهما فيه ويتحدث لهما عن نعم الله عليه وأنها لم تكن قاصرة على مجرد تعبير الرؤيا بل لقد تجاوزتها إلى الإخبار بشيء من المغيبات، ولما كان من المعروف في ذلك العصر أن الملك إذا أراد قتل إنسان أمر بسجنه ووضع له السم في الطعام، الأمر الذي من شأنه أن ينغص عيش المساجين ويلوح لهم بشبح الموت في كل وقت أراد يوسف أن يطمئن صاحبيه على حياتهما قبل كل شيء: {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه} من حيث لا تعلمان: {إلا نبأتكما بتأويله} أي أخبرتكما به وبحقيقة ماهيته إن كان نافعًا أو مضرًا