هذا برهانًا على كذبها من غير حاجة إلى الاستدلال على ذلك بقد القميص، ومنها أن قوله من أهلها لم يقصد منه إلا تقوية الشهادة ولو كان الشاهد صبيًّا في المهد لكان قوله حجة ولو كان من غير أهلها، ومنها أن التعليل الذي سيأتي على لسان الشاهد لا يصدر إلا من رجل عاقل حيث يقول: {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين} ذلك لأنه إذا كان هو المهاجم وهي المدافعة لظهر أثر دفاعها في مقدمة قميصه: {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} لأن هذا يدل على أنه هارب منها وهي عالقة به: {فلما رأى} العزيز: {قميصه} أي قميص يوسف: {قد من دبر} أي من خلفه اقتنع ببراءة يوسف و {قال إنه من كيدكن} أي إن ما تقولينه ما هو إلا من كيدكن معشر النساء: {إن كيدكن عظيم} أي عظيم الخطر كبير الأثر، وهنا تدخل الشاهد أيضًا فقال: {يوسف أعرض عن هذا} أي دع الحديث في هذا الشأن ولا تتأثر منه ولا تذيعه بين الناس لما فيه من خدش لسمعتك على حد قولهم «استر ما واجهت» ثم التفت إلى المرأة يقول لها: {واستغفري} أنت من سيدك: {لذنبك} باتهامك ليوسف بما هو بريء منه بعد ما وضح لسيدك الحق الذي لا غبار عليه والذي جعله يقول: {إنه من كيدكن} . {إنك كنت من الخاطئين} أي المذنبين بمراودة يوسف عن نفسه واحمدي الله الذي لم يطاوعك في شهواتك ولولا ذلك لوقعتي وإياه في الإثم.
لقد استصوب العزيز رأي قريب زوجته وأسدل الستار على هذه الفضيحة الكبرى بالقصر الملكي بإعراض يوسف عن ذكرها واستغفار زوجته، وأذعنت هي لذلك، وفاته ما يقول المثل السائر «كل سر جاوز الاثنين شاع» فقد تسرب الخبر إلى البيوت ولاكته الألسن: {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها} أي عبدها يوسف: {عن نفسه} لتطفئ به شهوتها: {قد شغفها حبًّا} أي شق حبه شغاف قلبها حتى بلغ بها أقصى درجاته فلم تستطع مقاومته: {إنا لنراها في ضلال مبين} إذ لا يليق بها وهي امرأة عزيز مصر وهو على ما هو عليه من مقام رفيع أن تنظر إلى غيره وتضعف أمام شهوتها حتى تنزل عن كبريائها وترضى أن تسلم نفسها إلى عبد حديث السن من عبيدها: {فلما سمعت} امرأة العزيز: {بمكرهن} المكر هنا الغيبة وسميت مكرًا لما فيها من الخفاء أي دبرت في نفسها مكيدة توقعهن في شباكها وذلك بأن: {أرسلت إليهن} أي أقامت لهن حفلة غداء دعتهن إليها: {وأعتدت لهن متكأً} أي هيأت لهن