الصفحة 1246 من 1760

بلطف وآثر الفرار بنفسه وولى وجهه شطر الباب مسرعًا فلحقت به: {كذلك} ألهمنا يوسف في ساعة غضبه ما يترتب على استعمال الشدة في معاملة المرأة من ضرر يعود عليه، الأمر لذي جعله يعدل عن تنفيذ ما همّ به: {لنصرف عنه السوء} من قبل العزيز بسبب هذه الحادثة: {والفحشاء} أي الوقوع في الإثم فقد سلمناه وحفظناه منهما: {إنه من عبادنا المخلصين} أي الذين يراقبون الله في سرهم ويخلصون له في عبادتهم، وفي هذا إشارة إلى أن كل من حذا حذو يوسف لا بد أن يصرف الله عنه السوء والفحشاء ونظيره قوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب} . وقوله: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا} .

{واستبقا الباب} أي أن يوسف فر من وجهها مسرعًا نحو الباب ليفلت من يدها وأسرعت هي خلفه تريد أن تمنعه من الخروج واجتذبته من ورائه: {وقدت} القد: القطع: {قميصه من دبر} أي من الخلف أثناء شدها له لتحول دون هربه: {وألفيا سيدها} وهو العزيز: {لدى الباب} واقفًا يحاول فتح الباب ليدخل فلم يكن منها إلا أن ابتدرته بالشكوى من يوسف بما يثير حفيظته ويشعل نار الغيرة في نفسه لتشفي غل صدرها وحنقها عليه لما فاتها من التمتع به وتوقعه في السوء جزاء إبائه عن مطاوعتها: {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا} أي أمرًا يسوءك دون أن تصرح به ولكنها حددت عقوبته بقولها: {إلا أن يسجن أو عذاب أليم} وهذا منها خشية أن يشتد غضب العزيز عليه فيأمر بقتله أو بيعه أو نفيه من البلاد فتحرم منه وهي لا تزال طامعة فيه، فما كان من يوسف وقد سمع ما بهتته به إلا أن يصرح بالحقيقة كما هي عارية من كل مجاملة أو وجل: {قال هي راودتني عن نفسي} فامتنعت ولم أرد بها سوءًا قط، ولما كان هذا اتهامًا صريحًا من خادم ضد سيدته من شأنه أن يضاعف عليه الجرم وكان القائل رجلًا مؤمنًا لا يخاف غير الله فقد أمده سبحانه وتعالى بما لم يكن في الحسبان إذ قيض له من ينجيه حيث قال: {وشهد شاهد من أهلها} ذهب الكثير من المفسرين إلى أن هذا الشاهد كان طفلًا أنطقه الله لنجاته من التهمة لما رُوِيَ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم» وهذا الحديث موقوف مطعون فيه بالضعف، ولعل الصواب أنه لم يكن طفلًا بل هو رجل كما اختاره الرازي في تفسيره لعدة أسباب منها أن الله تعالى لو أنطق الطفل بذلك الكلام لكان مجرد قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت