قادرًا على الاستجابة لعاطفته كبشر بعيدًا عن أعين الناظرين: {وقالت هيت لك} بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء وضمها أي هلم لتغتنم هذه الفرصة السعيدة فإني تهيأت لك قالت هذا وهي تعتقد أنه يسر في نفسه ولا يعصي لها أمرًا فإذا بها تسمع منه جوابًا مرًّا لم يكن في الحسبان: {قال معاذ الله} أي إن هذا لن يكون لأني مستعيذ ومتحصن بالله فلا يمكن أن يصدر مني ما يستوجب نقمته عليّ وتخليه عن صيانتي وحفظي: {إنه} أي الله: {ربي} الذي تعهدني بتربيته منذ حداثة سني وإخراجي من كنف والدي وهو ولي أمري: {أحسن مثواي} أي مقامي عندكم وسخركم لي: {إنه لا يفلح الظالمون} لأنفسهم وللناس بالخيانة والتعدي على الأعراض وإني لا أريد أن أكون منهم، فلم تدرك معنى لقوله هذا لأنها لم تنظر إليه إلا كإنسان محلًّا للزلل والاستجابة للعاطفة والشهوات وهو خادم لها لا يمكن أن يخالفها كما هو شأن سائر الخدم وظنت ذلك تعففًا من الحياء ولذا استمرت ومضت في سبيلها كما قال تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى} من الرأي أي تدبر بعقله: {برهان ربه} جرى الكثير من المفسرين على أن المراد بالهم هنا إرادة الفاحشة وأن ذلك أمر حصل عند المرأة وعند يوسف وأنه لولا أن رأى برهان ربه لاقترفها، وقال بعضهم إن يوسف كبشر يجوز أن تتوق نفسه إلى ذلك لولا عصمة الله له من ذلك ولم يخجل بعضهم من أن يروي من أخبار هياجه أمام تهتك المرأة ما لا يتفق مع مقام النبوة بل ولا مع ما يدل عليه قوله: {معاذ الله} ، والحقيقة التي لا مراء فيها والتي تدل عليها اللغة وظواهر الحال هي أن الهم معناه كل ما يهم الإنسان وما يجول بخاطره من أفكار توجب الحزن والقلق، يقال هم بالأكل وهم بالضرب، وقوله تعالى: {وهموا بإخراج الرسول} وقوله: {وهموا بما لم ينالوا} وسياق الآية يوضح لنا ما همّ به كل منهما ويصور لنا الحادث بأن امرأة العزيز عندما فشلت في مراودتها ليوسف بالقول وظنت أن ذلك حياء منه همت بتنفيذ ما أرادته وأقدمت على معانقته والتعلق به، وهنا ثارت في نفس يوسف ثائرة الغضب وهمّ بتنفيذ مقتضى ما أخبرها به من استعاذته بالله والامتناع عن مجاراتها في الضلال وذلك بإبعادها عنه دفاعًا عن نفسه وصيانه لشرفه، وأقل ما ينبغي في هذا الموقف هو أن يستعمل الغلظة والشدة في معاملتها ويضربها ويلقي بها في الأرض تخلصًا منها لولا أن أراه الله وبصره أن في ذلك برهانًا تستعمله المرأة ضده لإثبات محاولته اغتصابها والاعتداء عليها فتراجع عما همّ به وخلص نفسه منها