كان أساسها الغيرة التي دبت في قلوب إخوة يوسف من عطف أبيهم عليه نظرًا لصغر سنه: {إذ قالوا} أي بعضهم لبعض: {ليوسف وأخوه} الشقيق بنيامين: {أحب إلى أبينا منا} فهو يفضلهما علينا بميزة من الحب على صغر سنهما وعدم قدرتهما على عونه بينما نحن أشداء أقوياء نؤدي له كل ما يحتاج إليه من خدمات: {ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين} إذ يفضل غلامين صغيرين من ولده على العصبة أولي القوة وهذا منهم هو الضلال بعينه فمحبة الوالدين لأبنائهما لا تقوم على أساس المنافع المادية بل على ما أودعه الله في قلبيهما من الرحمة والشفقة. فقد قيل لوالد خبير أي أولادك أحب إليك فأجاب: الصغير حتى يكبر والمريض حتى يشفى، والفقير حتى يغنى، والغائب حتى يعود. وهنا بدؤوا التشاور فيما بينهم في أمره فقال فريق منهم: {اقتلوا يوسف} قتلًا تطمئنون على فنائه: {أو اطرحوه أرضًا} أي في أرض مجهولة بعيدة عن منازلنا أو عن العمران بحيث يكون عرضة لافتراس السباع له ولا يستطيع أن يهتدي إلى العودة إلى أبيه فيما إذا سلم من الهلاك: {يخل لكم وجه أبيكم} أي أنه عندما يفقد ولده ويحس بلوعة الحزن عليه لا يجد له سلوى غيرنا فيتعلق قلبه بمحبتنا: {وتكونوا من بعده} أي من بعد يوسف: {قومًا صالحين} إذ تنعمون بمحبة أبيكم ورضائه عنكم الذي في رضائه رضاء الله: {قال قائل منهم} وكان أرحمهم إذ هو لم يوافق على القتل وما يؤدي إليه واقترح اللجوء إلى وسيلة تؤدي الغرض المطلوب من إبعاده مع استبقائه على قيد الحياة وهي: {لا تقتلوا يوسف} ولا تجعلوه عرضة لافتراس السباع: {وألقوه في غيابة الجب} الجب البئر غير المبنية من داخلها بالحجارة وغيابته حفرة في أسفله فوق سطح الماء يدخلها من يدلي فيه لإخراج شيء وقع فيه أو إصلاح خلل عرض له ولعله كان معلومًا لديهم بدليل قولهم: {يلتقطه بعض السيارة} أي جماعة من المسافرين الذين يرتادون ذلك المكان فيأخذوه إلى جهات نائية تبعده تمامًا عن أبيه: {إن كنتم فاعلين} أي إن كان ولا بد من إبعاده عن وجه أبيكم ولم يكن لكم غاية في قتله، فوافق الجميع على هذا الرأي وبدؤوا بتنفيذ الخطة فأقبلوا على أبيهم متظاهرين بالود لأخيهم كأنهم يستجلبون عطفه بحب الترفيه عمن يحب: {قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف} أي كم أنت خائف على يوسف حتى أنك لم تأمنا عليه: {وإنا له لناصحون} أي والحال إنا نخصه بالنصح والإرشاد إلى ما فيه نفعه والوقاية مما يضره: {أرسله معنا غدًا} أثناء ذهابنا لرعي الأغنام في