فيهم غير قليل من المستضعفين الذين نجوا مع الرسول وكانوا منبوذين لا يقبل منهم أمر ولا نهي. «السبب الثاني» لنزول عذاب الاستئصال قوله: {واتبع الذين ظلموا} أي تاركو النهي عن القادة وأرباب النفوذ: {ما أترفوا فيه} أي ما رزقناهم وآتيناهم من أسباب الترف والنعيم وانكبوا عليها وأشبعوا منها شهواتهم وتبعتهم العامة: {وكانوا} جميعًا ساعة حلول العذاب بهم: {مجرمين} أي متلبسين بجريمتهم وهذا وفق ما قضت به سنة الله في خلقه التي أخبرنا بها بقوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا} .
{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} أي وما كان من شأن ربك ونظامه الاجتماعي أن يهلك أهل القرى بمجرد ظلمهم بالشرك بالله إذا كانوا مصلحين في أعمالهم الاجتماعية والعمرانية وأحكامهم المدنية والتأديبية فلا يبخسون الحقوق كقوم شعيب ولا يرتكبون الفواحش ويقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر كقوم لوط، ولا يبطشون بالناس بطش الجبارين كقوم هود، ولا يذلون لمتكبر جبار يستعبد الضعفاء كقوم فرعون لأن إهلاك المصلحين ظلم يتنزه الله عنه بل لا بد أن يضموا إلى الشرك الإفساد في الأعمال والأحكام وهو الظلم المدمر للعمران، ولذا قال الفقهاء إن حقوق الله مبناها على التسامح لأن الله غفور رحيم أما حقوق العباد فمبناها على الشح والتضييق: {ولو شاء ربك} أي لو اقتضت مشيئة الله الأزلية أيها السامع أن لا يكون في الأرض مجرمين: {لجعل الناس أمة واحدة} بنظام في الحياة واحد ودين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة لا رأي لهم ولا اختيار وجعلهم في حياتهم الاجتماعية كسائر الحيوانات وفي حياتهم الروحية كالملائكة متحدين في العقيدة مفطورين على الطاعة منقادين لأوامره تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ولكنه تعالى شاء غير هذا إذ خلق الإنسان مفطورًا على الحرية، مختارًا في تصرفاته الدنيوية، وأنعم عليه بملكة العقل من دون البرية، وميزه بالعلم أفضل سجية، وجعله خليفة له في أرضه يفكر ويدبر ويعمل حسبما يقرر، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى الاختلاف في الرأي حسب تفاوت درجات العلم ومبلغ نضوج العقل: {ولا يزالون مختلفين} في كل شيء ما داموا يحكمون عقولهم المتفاوتة بطبعها ومبلغ علمها: {إلا من رحم ربك} ممن آمن به وصدق كتبه واتبع رسوله وخاتم أنبيائه فيما جاء به من شريعة من شأنها أن تجمع الناس على الهدى وتضمن لهم سعادة الدارين على