الصفحة 1192 من 1760

{أنما أنزل} لم يكن من وحي الخيال وإنما هو صادر: {بعلم الله} أي عن علم حقيقي كله حق وصدق، ومتى ثبت هذا ثبت أن محمدًا كان محقًّا في دعوى الرسالة: {وأن لا إله إلا هو} القادر على ما تعجزون عنه فيجب أن تذعنوا له بالوحدانية والقدرة الكاملة على كل شيء: {فهل أنتم مسلمون} أي فهل أنتم بعد قيام هذه الحجة عليكم داخلون في دين الإسلام الذي أدعوكم إليه بهذا القرآن عن عقيدة وإيمان.

بعد أن أمر الله رسوله أن يبادر بتبليغ ما يوحي إليه في الحال لأن مهمته منحصرة في الإنذار وإثبات صحة نزول القرآن من عند الله: {وأن لا إله إلا هو} وأن يسائلهم عما إذا كانوا بعد هذا مسلمين أم لا أراد جل جلاله أن يؤيد هذا الخيار لعباده بما يشعرهم بما اقتضته مشيئته تعالى من عدم إكراه الناس على الطاعة بل إنه سيحقق للعصاة آمالهم في الحياة بقدر ما يبذلون من جهد في سبيل نيلها وسينالون العذاب في الآخرة عليها فقال: {من كان يريد الحياة الدنيا} دون الآخرة: {وزينتها} من اللباس والأثاث والرياش والأموال والأولاد فقد سننا لذلك سننًا وأوجبنا على الناس اتباعها فمتى قاموا بها: {نوف إليهم أعمالهم فيها} أي نعطيهم ثمرة أعمالهم كاملة وفق تلك السنن التي تربط الأسباب بالمسببات والأقدار بالمقدرات: {وهم فيها لا يبخسون} أي إنهم لا ينقصون شيئًا من نتائج كسبهم لأجل كفرهم فإن مدار الأرزاق في الدنيا على الأعمال المطابقة لنظام الأقدار، بخلاف الآخرة فإن الجزاء فيها على الأعمال المنبعثة عن حسن القصد والنية: {أولئك} الذين يوجهون آمالهم وأعمالهم لمجرد متع الدنيا وقد وعدهم الله بأن يوفي إليهم أعمالهم فيها هم: {الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} لأنهم لم يريدوا نعيم الآخرة ولم يعملوا لنيل ثوابها بتزكية نفوسهم بالإيمان والتقوى وأعمال البر والفضائل واجتناب المعاصي والرذائل: {وحبط ما صنعوا فيها} من أعمال لم يريدوا بها وجه الله وثواب الآخرة بل لتحقيق أغراض نفسية من شهوات الدنيا كالرياء والسمعة وقد نالوها: {وباطل ما كانوا يعملون} أي إن العمل لمجرد الدنيا عمل فاسد لا يقوم على أساس من الرغبة في طاعة الله الخالق للجوارح ولا يؤتي الثمرة المرجوة منه وهي النفع العام للناس في هذه الحياة وثواب الله في الآخرة فالأعمال بمقاصدها، والنتائج تتبع المقدمات. ولقد كان من أكبر سيئات الاستعمار في البلاد الإسلامية هذه المدارس التبشيرية التي نشرها المستعمرون بيننا وغرسوا بواسطتها في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت