من عند الله من أن هؤلاء قوم معاندون لا سبيل إلى اجتذابهم للتوجه معك إلى قبلتك. وقد دلتنا هذه الآيات على ما يأتي:
{1} أن الله سبحانه وتعالى يحقق رغائب الناس ولو لم يصرحوا بها ما دامت خالصة لوجه الله، واقترنت بالثقة بحصول الإجابة من الله سبحانه.
{2} أن من الصعب أن يعدل الإنسان عن أمر يعتقده ما لم تكن هناك قوة إيمان بمعتقد آخر.
{3} أن محاولة استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من باطل ولو كان ذلك لغرض صحيح، وغاية سامية أمر لا يتسامح فيه مع أحد حتى ولو صدر ذلك من صاحب الأمر والكلمة المسموعة.
بعد أن أمر الله نبيه باستقبال البيت الحرام، وبين له موقف المعاندين حيال هذا التحول، أخبره بما للعوائد القومية من تأثير في نفوس الناس في أمر القبلة حيث قال {ولكل} أمة من الأمم أو شعب من الشعوب {وجهة} زينت له وحببت إليه، لأنه اعتاد التوجه إليها {هو موليها} أي ملتزمها وقرئ {مولاها} أي مالكها بحكم العادة ولا يرضى التحول عنها بسهولة {فاستبقوا الخيرات} أي فلا تكونوا منهم؛ بل عليكم أن تبادروا وتتسابقوا إلى فعل الخيرات بالتوجه إلى القبلة التي يوجهكم إليها الله، ولا تتقيدوا بالاتجاه إلى القبلة التي كنتم عليها {أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا} فإن مرجعكم جميعًا إليه سبحانه وتعالى {إن الله على كل شيء قدير} أي وهو سبحانه القادر على الإثابة والجزاء فلا محل لخشية غيره واتباع سواه {ومن حيث خرجت} أي ومن أي جهة من جهات المسجد خرجت {فول وجهك شطر المسجد الحرام} أي فاجعل اتجاهك وقبلتك نحوه سواء أكان ذلك من شرق الحرم أم من غربه، ولعل الله جل وعلا أعاد ذكر هذه الآية ثانيًا ليمحو من قلب النبي الكريم فكرة التنازل عن الاتجاه إلى هذه القبلة حرصًا على تكثير عدد المسلمين وجمع كلمتهم {وإنه للحق من ربك} فلا تظن أن هذا التحول إلى المسجد الحرام كان من أجل رضاك فتحاول أن تعدل عنه ابتغاء