الصفحة 118 من 1760

البراهين على أفضلية التوجه إلى هذه القبلة باعتبارها بيت الله الذي جعله مثابة للناس وأمنًا وأنها قبلة إبراهيم، وأنك مأمور بالاتجاه إليها {ما تبعوا قبلتك} لأن قناعتهم بأن قبلتهم هي قبلة الأنبياء من قبلك أكثر من قناعتهم برسالتك، وبأن هذا التحول إنما كان بأمر إلهي {وما أنت بتابع قبلتهم} وكذلك أنت لست بتابع قبلتهم ما دمت مقتنعًا من نفسك أنك على حق {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} فقبلة اليهود صخرة بيت المقدس، وقبلة النصارى جهة المشرق، وكل واحد منهم ربض فجمد عند حد التقليد فلا يريد أن يتحول عن قبلة آبائه ولا يريد أن يتبين حقيقة الأمر ويرجع إلى الصواب {ولئن اتبعت أهواءهم} بأن تنازلت أنت عن رغبتك الأولى من التحول عن قبلتهم، ورضيت أن يأذن لك الله بالرجوع إلى قبلتهم حرصًا منك على إيمانهم واستمالتهم إلى دين الله {بعد الذي جاءك من العلم} بتعصبهم وتمسكهم بتقاليدهم الماضية ولو كانت خاطئة {إنك إذًا} حتى مع هذه النية الخالصة لله {لمن الظالمين} الذين يبررون التساهل في ترك الواجبات من أجل أشرف الغايات {الذين آتيناهم الكتاب} من ذوي العلم وخواص أهل الكتاب {يعرفونه} يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول ولا يجهلون أن قبلتك هي قبلة إبراهيم مما يعلمونه من كتبهم السابقة {كما يعرفون أبناءهم} لأن أدلة ثبوت نبوتك لديهم أقوى وأثبت من ثبوت بنوة أبنائهم لهم. وفي هذا يقول عبد الله بن سلام رضي الله عنه وكان من علماء اليهود وأحبارهم «أنا أعلم بمحمد مني بابني، فقال له عمر رضي الله عنه: لِمَ؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي وأما ولدي فلعل أمه خانتني فيه» وقال مثل ذلك أيضًا تميم الداري من علماء النصارى {وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} أي حالة كونهم على علم بأنه هو الحق الذي لا مراء فيه لما جبلوا عليه من التعصب للرأي وعدم الإذعان للحق لمرارته على نفوسهم {الحق من ربك} وليس كل حق حقًّا، فقد تلوح للناس بعض الحقائق العلمية أو النظرية وتكون في الواقع غير صحيحة، وإنما الحق الصحيح ما كان من عند الله وبإخبار منه {فلا تكونن} أيها الرسول {من الممترين} أي الشاكين الذين يحسنون الظن فيهم ويتصورون أنه من السهل إقناعهم أو استمالتهم إلى الإيمان لأن هذا بمثابة الشك فيما جاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت