الصفحة 117 من 1760

إلا الله، فمن السفه وضعف الإيمان أن يتردد الإنسان في الخضوع إلى الأوامر التعبدية إلى أن تتجلى لها حكمتها وما ترمي إليه.

بعد أن أخبر الله نبيه بأمر الشبهة التي نسج بردها أعداء الإسلام وفي مقدمتهم اليهود عند تحويله عن القبلة، ولقنه الحجة التي يدحض بها تلك الشبهة، وبين له الحكمة التي من أجلها جعله يستقبل وأمته القبلتين، عاد فحقق له أمنية كانت تجيش بنفسه ولا يستطيع أن يجهر بها تأدبًا مع الله وإذعانًا لإرادته، وذلك أن اليهود كانوا يقولون: أليس من العجيب أمر هذا الرجل؟ يخالفنا في ديننا ثم هو يتبع قبلتنا ولولانا لما عرف أين يستقبل؟ ولذا كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوجه إلى قبلتهم كراهة منشؤها الغيرة على دين الله، ولكنه لم ينبس ببنت شفة بل شعر بحاجة الإسلام إلى الاتجاه إلى قبلة غير هذه القبلة وظل يقلب نظره في المساء كأنه ينتظر حلًّا لهذه المشكلة من عند الله. فحكى عنه ذلك جل وعلا بقوله {قد نرى تقلب وجهك} أيها الرسول {في السماء} ونحن نعلم ما يكنه فؤاداك من انتظار أمر قاطع في موضوع القبلة وإن لم تصرح بذلك بلسانك {فلنولينك} أي نجعلك تتولى {قبلة ترضاها} فكن على اطمئنان بأننا سنحقق لك ما تريد، ونصرفك عن هذه القبلة، وزيادة في إكرامنا لك نوجهك إلى قبلة ترتاح إليها {فول وجهك شطر المسجد الحرام} حيث القبلة التي اخترناها لك وهي قبلة إبراهيم من قبلك في البلدة التي فيها ولدت وبها نشأت بجوار قومك وبني عشيرتك {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} حيثما كنت أنت وقومك فولوا وجوهكم شطره {وإن الذين أوتوا الكتاب} بصفة عامة {ليعلمون} وقرئ {تعلمون} بالتاء {أنه الحق} بضم القاف وقرئ بفتحها {من ربهم} فلا تفكر كيف يكون وقع تحولك عن بيت المقدس إلى المسجد الحرام في نفوس عموم أهل الكتاب، فإن كل من يؤمن بالله ورسله وكتبه لا يتردد في الجزم بأن تحولك هذا إلى المسجد الحرام هو الحق المأمور به من عند الله {وما الله بغافل عما يعملون} وحسبك أن الله ليس بغافل عن كل ما يقابلون به تحولك هذا من قبول ورضاء أو رفض وعناد وسيجزي كلا منهم بما يستحق {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية} وأقمت لهم مختلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت