الصفحة 116 من 1760

لنجعلكم أمة وسطًا لم تتحيز إلى دين دون آخر بل توجهتم إلى القبلتين وآمنتم بالأديان كافة وسائر الرسل {لتكونوا شهداء} بالحق {على الناس} فلا يطعن أحد في شهادتكم لأنكم كنتم تصلون اتجاه قبلتهم وتؤمنون بكتبهم {ويكون الرسول عليكم شهيدًا} بأنكم كنتم تؤمنون بجميع الرسل وسائر الكتب {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول} وإنما شرعنا لك أيها الرسول التوجه أولًا إلى بيت المقدس ثم صرفناك عنه إلى الكعبة ليظهر لك حال من يتبعك ويطيعك ويتوجه معك حيثما توجهت {ممن ينقلب على عقبيه} أي يرجع إلى مؤخرة قدمه بمعنى يأبى مجاراتك ولا يتحول معك، وتداخله في أمرك الشكوك فيرتد عن دينه، ولذا ورد في الحديث أن القبلة لما حولت ارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية وقالوا رجع محمد إلى دين آبائه {وإن كانت} تلك التولية عن القبلة في الواقع {لكبيرة} أي شاقة على النفوس {إلا على الذين هدى الله} إلى الإيمان بالله وصحة الرسالة، فهؤلاء يعلمون أن أمرًا كهذا لا يمكن أن يقدم عليه الرسول من تلقاء نفسه، بل لا بد أن يكون بأمر من ربه، فلا يكبر عليهم هذا الأمر، بخلاف من ضعف إيمانهم واقتصروا على مجرد التقليد فهؤلاء يكبر عليهم أن يتجه الرسول إلى جهة غير التي كان يتجه إليها غيره من الرسل {وما كان الله ليضيع إيمانكم} أو يوهن ثقتكم به فبقدر ما كان أمر التولية عن القبلة كبيرًا على بعض النفوس الضعيفة كان في ثبات المهتدين على متابعة الرسول دليل على ثقة عظيمة وإيمان قوي لا يحرمون من ثوابه {إن الله بالناس لرؤوف} يقدر حالة ضعف الناس وحاجتهم إلى العطف فلا يضيع عمل عامل منهم {رحيم} ذو رحمة واسعة فلا يبتليهم بما يظهر صدق إيمانهم ليضيع عليهم هذا الإيمان بل ليجزيهم عليه أحسن الجزاء.

وقد دلتنا هاتان الآيتان على أن كثيرًا ما يجهل المرء حكمة التشريع في بعض الأمور التعبدية بينما تكون الحكمة هي في معرفة الطائع المنقاد من المتردد المتشكك، حيث يبرهن الأول على إيمان كامل وطاعة صادقة، بينما يدل الثاني على تمسكه بتقاليد وعادات تتنافى مع ما يدعيه من إيمان وتسليم؛ وقد تكون هناك حكم أخرى لا يعلمها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت