بعد أن أخبر الله نبيه صلى الله وسلامه عليه بما كان يروجه بنو إسرائيل من الشبه ضد الإسلام ومن الادعاءات الكاذبة التي لم تقم على سند معقول ولا أساس صحيح، أخذ يسرد عليه طرفًا مما يروجه المعاندون من المطاعن ضد الإسلام وفي مقدمتهم اليهود، وما حكاه عنهم بصيغة المستقبل للدلالة على أن الله يعلم ما في نفوسهم وما تطويه قلوبهم في سابق علمه، وهو مطلع على حقيقة أمرهم فلم يقم لهم وزنًا، ونفذ أمره بتحويل القبلة برغم أي اعتبار آخر، فهو صاحب الأمر والنهي، وله في تحويل القبلة حكمة يعلمها، ولولا هذه الحكمة ما حولها حيث قال: {سيقول السفهاء من الناس} أي يتحدثون فيما بينهم بقولهم {ما ولاهم} أي ما سبب تولية المسلمين {عن قبلتهم} وهي بيت المقدس {التي كانوا عليها} وما الذي حملهم على هذا التحويل؟ ألم يكن محمد مأمورًا من قبل بالتوجه إلى بيت المقدس؟ ولماذا صرف عنه؟ وهل كانت صلاته إلى بيت المقدس لمجرد استمالة أهل الكتاب ومداهنة لهم؟ ثم أراد باستقبال البيت الحرام مخالفة اليهود في قبلتهم؟ إلى غير ذلك من المطاعن التي كانوا يروجونها بقصد الفتنة والتخلص من اتِّباع دين الإسلام، فأمر الله نبيه أن يرد على ذلك بقوله {قل لله المشرق والمغرب} أي أن المشرق والمغرب والشمال والجنوب وكل الاتجاهات لله وحده، وهذه الاتجاهات في الواقع ونفس الأمر ليست مقصودة بذاتها للعبادة؛ والمقصود في الحقيقة إنما هو الاتجاه إلى الله؛ ولما كان الله سبحانه وتعالى لا يحويه مكان معين فتخصيص جهة معينة للاتجاه إليها لعبادة الله عائد لأمره وحسب تعاليم أنبيائه، وهو سبحانه {يهدي من يشاء} فاعل يشاء عائد إلى من لا إلى الله أي أن الله يهدي كل من شاء الهداية لنفسه من عباده بالرغبة في الوصول إليها باستخدام ما وهب الله لهم من نعمة العقل، والسمع، والبصر، التي هي آلات العلم والعرفان ووسائل الهدى والإيمان. {إلى صراط مستقيم} أي يوجهه تعالى بتوفيق منه، فذلك أمر متعلق به ولا حق لكم في البحث فيه، ثم تفضل الله سبحانه وتعالى فخاطب المؤمنين مبينًا لهم السر في هذا التحويل من القبلة الأولى إلى القبلة الثانية حيث قال {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} أي إنما أمرناكم بالاتجاه إلى بيت المقدس أولًا، ثم حولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام ثانيًا واخترناها لكم