كان موافقًا لما جاء في القرآن أو مخالفًا له: {إلا كنا عليكم شهودًا} أي رقباء مطلعين عليكم: {إذ تفيضون فيه} أي تندفعون فيه سواء بتنفيذه بدقة أو بلغو زائد عن الحد لنجزيكم بمقتضاه: {وما يعزب عن ربك} أي لا يبعد ولا يغيب عن علمه ولا يخفى عليه شيء من المخلوقات حتى لو كانت: {من مثقال ذرةٍ} مما خف وزنه ودق حجمه وتطلق الذرة على الدقيقة من الهباء وهو الغبار الذي لا يرى إلا في ضوء الشمس الداخل من الكوي إلى البيت: {في الأرض ولا في السماء} في سائر أنحاء الموجودات السفلية والعلوية: {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر} بفتح راء أصغر وأكبر وقرئ برفعهما: {إلا} هو معلوم ومرقوم: {في كتابٍ مبينٍ} من قبل خلقه فقد كان الناس يعتقدون إلى عهد قريب أن الذرة أو الجوهر الفرد هو قوام المادة لأنه أصغر أجزائها وليس أصغر منه ثم أثبت العلم أن الذرة تتألف من عدة وميضات كهربائية لا يعلم حقائقها غير الله خالقها وإن توصل المخترعون إلى اكتشاف مزاياها واستخدامها في التخريب والتعمير.
بعد أن فصل الله أحوال الجاحدين المكذبين بلقائه وما يكون مصيرهم وما ينالهم من عذاب يوم القيامة لا سبيل إلى تفاديه ونبههم إلى أن لله ما في السموات والأرض وأن وعد الله حق وذكرهم بآلائه وإحاطة علمه بكافة شئونهم وإحصائه لجميع أعمالهم أخذ يوجه أفكارهم إلى ما يجعلهم في مأمن من كل ما ذكر فقال: {ألا إن أولياء الله} الأولياء جمع ولي وهو النصير والمتولي للأمر والحكم أي الذين يسلمون أمر ولايتهم لله ولا يرضون بولاية غيره عليهم كما قال تعالى: {الله ولي الذين آمنوا} وهم ضد أعدائه الذين يدينون لمن دونه بالولاء والطاعة من المشركين والكافرين: {لا خوف عليهم} في الدنيا من تزلزل العقيدة والوقوع فيما يستوجب غضب الله، ولا في الآخرة من أهوال الموقف وعذاب جهنم: {ولا هم يحزنون} على ما يفوتهم في الدنيا من متع أو ما سيتركونه بالموت من مال وولد، ذلك لأن ولاية الله لهم من شأنها أن تكسبهم طمأنينة في النفس ورضاء بما يرضاه الله ويختاره لهم وليس من حقهم ولا في مقدورهم نفع أحد أو الشفاعة له عند الله وبالنظر لما يعلمه تعالى من الأباطيل التي سيدخل بها الشيطان إلى قلوب أوليائه من فهم لمعنى الأولياء وخصائصهم من أنهم جماعة قربهم الله إليه ومنحهم من الكرامات ما يستطيعون بواستطها خرق العادات والأخبار بالمغيبات وقضاء