الصفحة 1136 من 1760

يستمعون إليك أي يصغون إليك وأنت تتلو القرآن ولا يفقهون ما ترمي إليه آياته من الأحكام والمقاصد، لأن الاستماع إليك هو المقصود عندهم لذاته فيعجبون ببلاغته ويطربون من جرس أنغامه أثناء تنزيله كمن يستمع طائرًا يغرد على فتنه ليستمتع بصوته دون أن يفهم شيئًا منه وينتظر منك المعجزة بأن تجعلهم يهتدون بهديك وهذا خطأ عظيم: {أفأنت} بما منحته من الرسالة بمعنى التبليغ: {تسمع الصم} أي تجعل الأصم يسمع؟ لا: فالرسالة إلى الناس لا تقتضي سماعهم لها أو حملهم على تنفيذ مقتضاها: {ولو كانوا} أي أولئك الذين يستمعون: {لا يعقلون} أي من الحيوانات التي لا عقل لها كلا فإن هذا ليس في مقدورك ولذلك تراهم لا يهتمون بمعالجة الصمم الحسي الموجود فيهم بالتدبر في كلام الله وفهمه فهمًا صحيحًا يحملهم على العمل بمقتضاه: {ومنهم من ينظر إليك} أي يجالسك ويطيل النظر في وجهك ويعتقد أن هذا وحده كاف لهدايته وجعله من الخيار الأبرار دون أن يعمل بما جئت به وهذا خطأ بين: {أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} أي هل في جمال وجهك وبهاء طلعتك من الأسرار الإلهية ما من شأنه أن يجعل الأعمى بصيرًا حاشا فليس من مصاحبة الناس لك ومحبتهم لشخصك ما يؤدي بهم إلى الهداية بل العبرة بالعمل بما جئت به: {إن الله لا يظلم الناس شيئًا} أي أنه لم يكن من شأنه تعالى ولا من سننه في الخلق أن ينقصهم شيئًا من الأسباب التي تجعلهم يهتدون بها إلى سعادة الدنيا والآخرة: {ولكن الناس أنفسهم يظلمون} بعدم سلوكهم سبيل الهداية التي سنها الله لهم ومحاولتهم نيلها بوسائل أخرى ظنًّا منهم أنها تكفي لبلوغ الغاية والحصول على الهداية.

بعد أن طمأن الله رسوله بأنه سوف لا يعاجل قومه بعذاب الاستئصال بل إنهم سيبقون إلى نهاية هذه الحياة أخذ يخبره بأنه على الرغم من هذا فإنه سيبدو لهم في الآخرة أن حياتهم في الدنيا لم تكن إلا قصيرة الأمد جدًّا فقال: {ويوم يحشرهم} الله وقرئ «نحشرهم» بالنون أي نجمعهم ببعثهم بعد موتهم يوم القيامة الذي سيشاهدون من هوله وطوله عليهم ما يشعرهم بقصر المدة التي قضوها في هذه الحياة: {كأن لم يلبثوا} في الدنيا: {إلا ساعةً من النهار} قد انقضت بسرعة: {يتعارفون بينهم} أي أنها لم تكن إلا بمثابة اجتماع بسيط لمجرد التعارف كما يقال ما سلم حتى ودع وقد قال تعالى: ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت