السعيد الهادئ في دار سلمت من العداوة والخصام وأنواع المصائب والمنغصات وهي جنة الخلد: {ويهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم} لقد أجمع المفسرون على أن الفاعل في يشاء عائد إلى الله أي إن هداية الله الناس عائد إلى محض المشيئة بمعنى الإرادة التي لا علم لنا بها وقد بينا خطأ هذا في عدة مواضع وقلنا إن الضمير في يشاء يرجع إلى أقرب مذكور وهو اسم الموصول يعني العبد فيكون المعنى إن الله قد أخذ على نفسه عهدًا أن يمن بالهداية إلى الطريق الموصل إلى دار السلام من غير اعوجاج ولا التواء، على كل من يشاء لنفسه ذلك، وقد وفى الله لعباده بهذا العهد بما أنزله على رسوله من القرآن الذي أخبرنا أن اتباعه هو سبيل الهداية كما جاء في سورة الإسراء بقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} وقوله في سورة المائدة: {قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبينٌ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيمٍ} ومما يؤيد ما جنحنا إليه أنه تعالى في هذه الآية قد قطع على نفسه لعباده وعودًا لا يمكن أن يرجع فيها أبدًا، الوعد الأول قوله: {للذين أحسنوا} أعمالهم في هذه الحياة الدنيا بمعنى جعلوها خالصة لوجهه تعالى: {الحسنى} وهي مضاعفة الحسنات بعشر أمثالها كما قال تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} .: {وزيادةٌ} أي ويزيد على ذلك كما قال في آية أخرى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} الوعد الثاني قوله: {ولا يرهق} أي لا يلحق: {وجوههم قترٌ} وهي الدخان المتصاعد بالسواد من الحطب وكل غبرة فيها سواد: {ولا ذلةٌ} أي إهانة وفضيحة أي إنهم سيبعثون يوم القيامة ووجوههم ناصعة البياض مرفوعي الرؤوس لا يغشى وجوههم شيء مما يغشى وجوه الكفرة الفجرة من الظلمة والكسوف والذلة: {أولئك} أي الموصوفون بما ذكر: {أصحاب الجنة} دار السلام التي خلقت من أجلهم: {هم فيها خالدون} لا يبرحونها أبدًا والوعد الثالث قوله: {والذين كسبوا السيئات} أي ارتكبوا المعاصي في هذه الحياة: {جزاء سيئة بمثلها} أي لا يزادون عذابًا على ما يستحقون كما قال تعالى في آية أخرى: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} وهذا من ضمن فضل الله ورحمته بعباده: {وترهقهم ذلةٌ} أي وتغشاهم ذلة وفضيحة وخزي بما يظهره حسابهم من عظيم السيئات: ما لهم من الله من