الدعوة إلى الرجوع إلى الله بالدعاء تأخرًا ورجعية نسأله تعالى اللطف بنا وبهم جميعًا خصوصًا بعد ما وجهه الله إلى الناس من الخطاب بقوله: {يا أيها الناس} في سائر العصور والأزمان: {إنما بغيكم} أي ظلمكم وجنايتكم على أنفسكم فبعدم تعرفكم بالله في ساعة الشدة أو عدم الاعتراف بقدرته على نجاتكم بالمرة وترك دعائه إنما يعود ضرره: {على أنفسكم} أي إن وباله يرجع إليكم في الدنيا فلو أنكم آمنتم بوحدانية الله وأحكمتم صلتكم به وأفردتموه بالدعاء لصرف عنكم من السوء ما لا تعلمون، وأزال عنكم في ساعة الشدة ما تخافون، في حين أن ما تتمتعون به من البغي والفساد ما هو إلا: {متاع الحياة الدنيا} وهو قصير الأمد مهما طال: {ثم إلينا مرجعكم} بعد هذا المتاع القليل: {فننبئكم بما كنتم تعملون} أي نخبركم بما عملتم وما استوجبه عملكم من جزاء في الآخرة وفق ما أنذرناكم به من قبل، هذا بالنسبة لظلم النفس أما البغي على الناس فقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «أسرع الخير ثوابًا البر وصلة الرحم وأسرع الشر عقوبة البغي وقطيعة الرحم» وقوله: «ثلاث من رواجع على أهلها المكر والنكث والبغي» وقال تعالى: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} وقد أثبتت لنا الأيام مصير البغاة من ملوك وحكام ظلمة بغوا في الأرض واستحلوا دماء الأبرياء وأموالهم وأعراضهم فأصابهم ما أصابهم وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.
بعد أن ضرب الله مثلًا بمبلغ كفر الناس بنعمه وعدم التعرف عليه أو الإيمان به إلا في حال الشدة وقوله في النهاية: {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا} أخذ يصور لهم الحياة الدنيا على حقيقتها بأنها تبدأ من فضل الله وتنمو وتنضج وفق سنن الله ثم تنتهي بأمر الله وكل شيء فيها له أوان ومآل. ومصير متعها إلى الزوال، فقال: {إنما مثل الحياة الدنيا} في صورتها ومآلها: {كماءٍ أنزلناه من السماء} أي أشبه بماء أنزلناه من السماء دون أن يكون للإنسان أي دخل فيه بل هو مجرد منحة الله جل وعلا: {فاختلط به} أي بالماء: {نبات الأرض} أي أنواع النباتات التي خلقها الله أصوله فيها: {مما يأكل الناس والأنعام} أي مما يكون مصيره إلى الفناء بأكل الناس شطرًا منه والشطر الآخر تأتي عليه الأنعام وهكذا الحياة الدنيا بدا عمارها بما وهبه الله لآدم من قوة الروح التي استطاع بواسطتها أن يحيى ويستثمر ما في الأرض من خيرات يسيطر عليها بمختلف المؤثرات وينعم فيها بسائر الملذات: حتى إذا