ينجيهم من كربهم ويكتب لهم الحياة بعد أن يئسوا منها حالة كونهم: {مخلصين له الدين} أي واثقين أنه صاحب الأمر والنهي فلا يتوجهون معه إلى ولي ولا شفيع ولا ند ولا شريك كما كانوا يتوسلون إليه في حال الرخاء عازمين على طاعته قائلين: {لئن أنجيتنا من هذه} الكارثة التي نحن فيها: {لنكونن من الشاكرين} أي أنهم يعلقون شكرهم لله على نجاتهم في تلك الساعة فقط ولو عقل كل راكب على ظهر السفن لتوقع حدوث هذا الموقف في كل لحظة وسأل الله أن يقيه من خطره وحمده على لطفه وشكره في كل لحظة على سلامته: {فلما أنجاهم} الله في نفس اللحظة بإيقاف الريح وعودتها إلى حالتها الطبيعية وسكون البحر من اضطرابه ووصلوا إلى مأمنهم من الأرض: {إذا هم يبغون في الأرض} أي ينقضون عهدهم ويعمدون إلى البغي وهو الظلم والعدوان والفساد ويمعنون في ذلك: {بغير الحق} أي بعكس ما أخذوه على أنفسهم من شكر الله على آلائه العظمى التي لا تحصى والتي كان من أقربها أن كتب لهم حياة جديدة بنجاتهم من الغرق، هكذا كان شأن الناس بفطرتهم من قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم يلجؤون إلى الله في ساعة الشدة ثم يعودون إلى ما كانوا عليه بعدها وقد ذكرهم الله في سورة الإسراء بأن إحاطة الخطر بهم لا يكون في البحر فقط بل وفي البر وأنه تعالى لا يعجزه أن يعيدهم في البحر مرة أخرى ويحدق بهم ثم لا ينجيهم حيث قال: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورًا 67} أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبًا ثم لا تجدوا لكم وكيلًا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارةً أخرى فيرسل عليكم قاصفًا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا وإن مما يؤسف له أن الناس في عصرنا هذا بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم وتعريفهم بالله خالقهم إذا هم يتناسونه تمامًا حتى في ساعة الشدة ويدعون غيره في الملمات ويستغيثون بمن يعتقدون لهم كرامة من الأموات ممن قال تعالى إنهم لا ينفعون ولا يضرون حتى إنه يحكي أن جماعة ركبوا البحر فهاج بهم حتى أشرفوا على الغرق فصاروا يستغيثون بمعتقديهم فبعضهم يقول يا سيد يا بدوي وبعضهم يصيح يا رفاعي وآخر يهتف يا جيلاني ... إلخ وكان فيهم رجل موحد ضاق بهم ذرعًا فقال يا رب أغرق ما بقي أحد يعرفك، والأنكى من هذا أن الكثير ممن تثقف ثقافة غربية أصبح يهزأ بمن يدعو الله ويعتبر