بعد أن أوضح الله ما اقتضاه عدله في الحكم على الظالمين لأنفسهم بمعاندتهم للرسل وتكذيبهم أردف ذلك بذكر أمثلة من تلك المعاندة التي اتصف بها من لا يؤمن بيوم الحساب تعريفًا بهم فقال: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بيناتٍ} ظاهرة واضحة تدل بأسلوبها وفصاحتها على أنها ليست من كلام البشر بل هي من كلام رب العالمين: {قال الذين لا يرجون لقاءنا} ممن ذكروا من قبل وقد جاءهم بالقرآن معجزة تحداهم بالإتيان بسورة من مثله فعجزوا ولم يجدوا موضعًا للطعن فيه فما وسعهم إلا أن قالوا: {ائت بقرآنٍ غير هذا أو بدله} وهذا قول ظاهر العنت فما هو الداعي لإلغائه والإتيان بغيره أو تبديله اللهم إلا ما يجدون فيه من تزييف لمعتقداتهم الفاسدة ودعوتهم إلى التوحيد الخالص منهي عما كان عليه آباؤهم من عادات وتقاليد جاهلية: {قل} جوابًا على قولهم هذا أيها الرسول: {ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} أي إن هذا هو كلام الله الذي أوحى به إليّ وليس من حقي أن أتصرف فيه بإلغاء أو تبديل: {إن أتبع} بوصفي رسولًا من الله: {إلا ما يوحى إليّ} فأبلغه للناس بنصه المنزل عليّ دون زيادة أو نقص: {إني أخاف إن عصيت ربي} بتبديل وتحريف: {عذاب يومٍ عظيمٍ} هو يوم القيامة وفي هذا تحذير شديد لمن يحاول تبديل أحكام القرآن بما يستبيحه من الأمور المنافية لعقيدة التوحيد أو المخلة بأسس التشريع الإسلامي: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم} أي لولا أن مشيئة الله الأزلية قد قضت بتلاوة هذا القرآن بنصه الكامل عليكم لما أوحى به إليّ لما أمكن أن يصدر على لساني: {ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله} أي مكثت بين ظهرانيكم عمرًا طويلًا قدره أربعون سنة أعمل في رعي الغنم وأعمال التجارة ولم أعرف بينكم من الشعراء وأولي الفصاحة والبلاغة ولم أتل عليكم طوال المدة سورة أو آية تشبه آيات القرآن وكلما عرف عني أني أمين فلا يمكن أن يتصور صدور الكذب مني: {أفلا تعقلون} إذ العقل لا يسلم أن رجلًا تجاوز سن الصبا ولم يتلق العلم على أستاذ حتى بلغ الأربعين يأتي بين عشية وضحاها بكتاب مثل الذي أتيتكم به ويؤكد لكم وهو الأمين بينكم أنه من عند ربكم فلا تصدقونه في دعواه وتنسبون إليه الكذب وأنتم تعلمون أنه لو وافقكم على رأيكم وغير أو بدل في آيات الله لدل على أنه لم يكن صادقًا في نسبة ذلك إلى الله ويكون بعمله هذا أظلم منكم: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا} أي إن أشد أنواع الظلم أن يكذب العبد على ربه