بعد أن أمر الله العباد بعبادته وأوضح لهم مصيرهم بعد الموت وأكد لهم أن مرجعهم ليجزي كلًّا بعمله وعدد نعمه عليهم وبسطها لهم أخذ يشرح مصير الناس يوم القيامة: {إن الذين لا يرجون} أي لا يؤملون أو لا يريدون: {لقاءنا} أي الرجوع إلى الله بمعنى ينكرون البعث ولا يطمعون فيما أعد في الآخرة من نعم ولا يخافون مما هنالك من نقم: {ورضوا بالحياة الدنيا} أي قنعوا بهذه الحياة الدنيا واكتفوا بها وحصروا كل همهم وأعمالهم في نيل أكبر قسط من نعيمها: {واطمأنوا بها} أي ارتاحت قلوبهم بشهواتها وملذاتها: {والذين هم عن آياتنا غافلون} لا يصغون إليها ولا يتدبرون ما جاء فيها من حكم ومواعظ وأوامر ونواهي ليعملوا في الحياة على هديها: {أولئك} أي كلا الفريقين: {مأواهم} في الآخرة: {النار} نار جهنم: {بما كانوا يكسبون} أي جزاء على ما اقترفوا من الخطايا والسيئات في حياتهم الدنيا، نتيجة طبيعة لإنكارهم للبعث وانغماسهم في الشهوات وعدم الاتعاظ بآيات الله والعمل بما جاء فيها، وهذا برهان قاطع على بطلان قول من يقول إن العمل لا ينفع والقوى والطبائع والأسباب لا تؤثر وإنما هو الله يخلق الأثر عندها لا بها والواقع غير ذلك فالنار تحرق والعين تبصر بما أودع الله فيها من طبائع وقوة: {إن الذين آمنوا} بالله ولقائه: {وعملوا الصالحات} ابتغاء مرضاته: {يهديهم ربهم بإيمانهم} أي بسبب هذا الإيمان المنبعث من نفوسهم الذي حبب إليهم الأعمال التي تنيلهم في الآخرة خير الجزاء ولو أنهم كفروا بالله لما هداهم لأنه تعالى صرح في كتابه أنه لا يهدي القوم الكافرين: {تجري من تحتهم} أي تحت مقاعدهم: {الأنهار في جنات النعيم} كحق مكتسب لهم وفق ما اقتضته رحمة الله التي جعلت الإيمان والعمل الصالح سببًا لدخول الجنة: {دعواهم فيها} أي في جنات النعيم: {سبحانك اللهم} ما أعظم رحمتك التي جعلت لأعمالنا كل هذا الشأن الذي أدى بنا إلى ما نحن فيه من نعيم ولولاها لما كان لنا أن نطمع في شيء منها: {وتحيتهم} لكل من يصادفون من الملائكة والإنس والجان: {سلامٌ} أي لا بغض ولا خصام ولا انتقام بل صفاء وسلام: {وآخر دعواهم} أي دعاؤهم وعبادتهم في تلك الدار: {أن الحمد لله رب العالمين} أي لا حديث ولا شغل لهم غير تعداد نعم الله وشكرها حيث لا تكاليف تطلب منهم ولا رغائب يرجون الحصول عليها فكل شيء في الجنة ميسور وقد قال تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} وفسر هذا الحديث