بأنه لم يخلقهم عبثًا من غير غاية ولا عملًا من غير دستور ينظم سبيل معاشهم وحياتهم حيث قال: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون} : {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} بل إنهم خلقوا لعمارة الكون بالأعمال الصالحات التي في مقدمتها الإيمان بالله الذي بيده مقاليد أمورهم وهو الذي ينيلهم مقاصدهم وباتباع شرائعه تستقيم شئونهم في هذه الحياة وقد وعدهم على ذلك بأجر لا بد من أدائه لهم في الحياة الأخرى: {والذين كفروا} بالله وكذبوا رسله وآياته: {لهم شرابٌ من حميمٍ} أي شديد الحرارة وهو ما تأباه نفوسهم التي تعودت شرب الماء البارد في الحياة الدنيا: {وعذابٌ أليمٌ} في الآخرة: {بما كانوا يكفرون} أي بسبب ما كانوا يأتون من أعمال الكفر التي في مقدمتها الشرك بالله والكفر بنعمه ويليها الإصرار على مخالفة الله التي من شأنها أن تدنس نفس فاعلها وتبعدها عن الله خالقها وبهذا تستحق عقابه ولا تكون أهلًا لرحمته وبهذا تتحقق صفتان من صفات الله جل وعلا هما صدق الوعد والعدل في الحكم. وإنما جعل الله الآخرة دار جزاء ليدأب الناس في الدنيا على العمل المشترك ولا يتوانوا عن فعل الخير للصالح العام ولولا ذلك لاكتفى كل واحد بالعمل لمصلحته الشخصية وعلى قدر حاجته حيث لا مطمع فيما وراء ذلك بهذا يفسد النظام الاجتماعي الذي سنه الله لهذه الحياة.
بعد أن نبه الله الأذهان إلى مصير الإنسان بعد الموت أخذ يعدد فضله على الناس بما أودعه في بعض المخلوقات من خواص هي في مصلحتهم ومن أجل سعادتهم فقال: {هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا} ذهب علماء اللغة وتبعهم المفسرون إلى أن الضياء والنور مترادفان والأفضل التفريق بينهما بمعناهما الواقعي فالضياء نور ينبعث أو يتولد من الحرارة فيكون له خاصيتها كما أشار الله إلى ذلك بقوله: {وجعل الشمس سراجًا} وقوله: {وجعلنا سراجًا وهاجًا} والوهج اتقاد النار أو حرها من بعيد بخلاف النور فإنه كلما يبين الأشياء بمعنى خلاف الظلمة: {وقدره منازل} أي قدر سيره في عدة منازل ينزل في كل ليلة في واحد منها لا يخطئ ولا يتخطاه: {لتعلموا} عن طريق هذين النيرين: {عدد السنين والحساب} أي تقدير منازل كل منهما وحساب الأوقات من الأشهر والأيام لضبط عبادتكم وسائر معاملاتكم فلولا هذا النظام المشاهد لتعذر عليكم العلم بذلك وقد نبه سبحانه الأفكار بهذا إلى ضرورة