بعد أن عرف الله ذاته العلية لعباده بأنه هو خالق السموات والأرض وأنه هو مدبر كافة شئون خلقه من فوق عرش ملكه وأنه لا شفيع لديه إلا لمن يريد الله رحمته أخذ يخبرهم بأمر هام يجهلونه ولا يدركون سره مع أنه يترتب على العلم بحقيقة سعادتهم في هذه الحياة ألا وهو موضوع مصيرهم بعد الموت الذي يبدو كأنه دليل على الفناء وهذا وهم من شأنه أن يحمل الإنسان على التزود في حياته بأكبر قسط من متع النفس وملذاتها ولو كان في ذلك إضرار بالآخرين فأراد جل وعلا أن يصحح هذا الوهم بما يشعرهم بالحقيقة التي لا مراء فيها والتي خلقهم من أجلها فقال: {إليه مرجعكم جميعًا} أي أنكم ستنقلون بعد الموت من هذه الحياة الدنيا إلى حياة أخرى دائمة وهذا أمر لا بد منه: {وعد الله حقًّا} أي وعدكم به وعدًا من الله حقًّا لا مراء فيه وقرئ «وعد الله» بصيغة الفعل: {إنه} أخذ على ذاته العلية أنه تعالى: {يبدأ الخلق ثم يعيده} أي يبدأ خلق جميع الموجودات من أرض وسماء قال الأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره وقد أجمع علماء الكون الماديون منهم والروحانيون على أن الأرض وجميع الأجرام السماوية ما يرى منها بالإبصار والآلات المقربة للأبعاد وما لا يرى كلها قد وجدت بعد أن لم تكن وإن كانوا لا يزالون يبحثون في نشأة تكوينها والقوة الأزلية المتصرفة في أصل مادتها كما أنهم متفقون على توقع خراب هذه الأرض والكواكب المرتبطة معها في هذا النظام الشمسي الجامع لها، وعلى أن أقرب الأسباب الموافقة لأصول العلم الثابتة أن تصيب الأرض قارعة من الأجرام السماوية فتبسها بسًا حتى تكون هباء منبثًا، كما تشير إليه سورة القارعة والواقعة وغيرهما، فأما بدؤه فقد حصل بالفعل وأما إعادته فدليلها أن القادر على البدء يكون قادرًا على الإعادة بالطريق الأولى كما قال في سورة الروم: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} ومن المسائل المتفق عليها عند علماء الكون في هذا العصر - وهي تقرب إلى العقول عقيدة البعث - أن هذه الأجساد الحية ينحل منها في كل وقت ما يتبخر في الهواء وما يموت في داخل الجسم ثم يخرج منه ويحل محل كل ما يزول ويندثر مواد حية جديدة حتى يفنى جسد كل حيوان فهو يزول في سنين قليلة ويتجدد غيره فالبدء والإعادة في كل جسد دائمان ما دام حيًّا وهنا أراد جل جلاله أن يبين الحكمة في بعث الناس بعد موتهم فقال: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي وإنما وعد الله عباده بالبعث ليشعرهم