الصفحة 1114 من 1760

بعد أن عرف الله ذاته العلية لعباده بأنه هو خالق السموات والأرض وأنه هو مدبر كافة شئون خلقه من فوق عرش ملكه وأنه لا شفيع لديه إلا لمن يريد الله رحمته أخذ يخبرهم بأمر هام يجهلونه ولا يدركون سره مع أنه يترتب على العلم بحقيقة سعادتهم في هذه الحياة ألا وهو موضوع مصيرهم بعد الموت الذي يبدو كأنه دليل على الفناء وهذا وهم من شأنه أن يحمل الإنسان على التزود في حياته بأكبر قسط من متع النفس وملذاتها ولو كان في ذلك إضرار بالآخرين فأراد جل وعلا أن يصحح هذا الوهم بما يشعرهم بالحقيقة التي لا مراء فيها والتي خلقهم من أجلها فقال: {إليه مرجعكم جميعًا} أي أنكم ستنقلون بعد الموت من هذه الحياة الدنيا إلى حياة أخرى دائمة وهذا أمر لا بد منه: {وعد الله حقًّا} أي وعدكم به وعدًا من الله حقًّا لا مراء فيه وقرئ «وعد الله» بصيغة الفعل: {إنه} أخذ على ذاته العلية أنه تعالى: {يبدأ الخلق ثم يعيده} أي يبدأ خلق جميع الموجودات من أرض وسماء قال الأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره وقد أجمع علماء الكون الماديون منهم والروحانيون على أن الأرض وجميع الأجرام السماوية ما يرى منها بالإبصار والآلات المقربة للأبعاد وما لا يرى كلها قد وجدت بعد أن لم تكن وإن كانوا لا يزالون يبحثون في نشأة تكوينها والقوة الأزلية المتصرفة في أصل مادتها كما أنهم متفقون على توقع خراب هذه الأرض والكواكب المرتبطة معها في هذا النظام الشمسي الجامع لها، وعلى أن أقرب الأسباب الموافقة لأصول العلم الثابتة أن تصيب الأرض قارعة من الأجرام السماوية فتبسها بسًا حتى تكون هباء منبثًا، كما تشير إليه سورة القارعة والواقعة وغيرهما، فأما بدؤه فقد حصل بالفعل وأما إعادته فدليلها أن القادر على البدء يكون قادرًا على الإعادة بالطريق الأولى كما قال في سورة الروم: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} ومن المسائل المتفق عليها عند علماء الكون في هذا العصر - وهي تقرب إلى العقول عقيدة البعث - أن هذه الأجساد الحية ينحل منها في كل وقت ما يتبخر في الهواء وما يموت في داخل الجسم ثم يخرج منه ويحل محل كل ما يزول ويندثر مواد حية جديدة حتى يفنى جسد كل حيوان فهو يزول في سنين قليلة ويتجدد غيره فالبدء والإعادة في كل جسد دائمان ما دام حيًّا وهنا أراد جل جلاله أن يبين الحكمة في بعث الناس بعد موتهم فقال: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي وإنما وعد الله عباده بالبعث ليشعرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت