حتى ينفجر الصبح» فهو سبحانه يفعل ما يشاء لا معارض له، كما لا يمكن أن نفهم من استوائه تعالى على عرشه استواء يشبه استواء الملوك على عروشهم لأن الله تعالى ليس بشخصية مادية حتى يكون استواؤه كاستواء المخلوقين ونحن لا نعلم صفة ذلك العرش حتى نعلم كيفية استوائه عليه أو نزوله منه فلا يسعنا إلا أن نثبت لله الاستواء والنزول ولا نكيف هذا بل نقول إنه ليس كاستواء المخلوقين ونزولهم لأنه ليس كمثله شيء بل استواء ونزولًا لائقين بجلال الله وعظمته كما أنه لا يجوز لنا أن نؤول استواءه على العرش بالاستيلاء عليه لأن الله جل وعلا مستول على كل شيء لا على العرش وحده دون باقي الأشياء: {يدبر الأمر} التدبير في اللغة التوفيق بين أوائل الأمور ومبادئها وأدبارها وعواقبها بحيث تكون المبادئ مؤدية إلى ما يراد منها وما تنتهي إليه بمعنى أنه سبحانه وتعالى هو الذي سن السنن وجعل لكل غاية وسيلة ولكل مقصد سبيلًا لا يمكن لأحد أن يتخطاه فكلما يحصل في هذا الوجود من أعمال الإنسان الاختيارية ما هو إلا وفق تدبير الله الذي قدره جل وعلا وكل من صار على الدرب وصل: {ما من شفيعٍ} في الدنيا أم في الآخرة: {إلا من بعد إذنه} لمن ارتضى وقد أبى على رسوله وأكرم خلقه أن يشفع في حياته لأمه التي ماتت قبل بعثته وأذن له بالشفاعة للعشرة المبشرين بالجنة: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} ومع ذلك لم يتقبل الله شفاعته وكذلك الحال في يوم القيامة وقد أوضحنا المعنى المراد بإذنه بأنه تعالى إذا أراد أن يرحم عبدًا لا توازي حسناته سيئاته ولو كان مغمورًا بالسيئات أوعز إلى أحد من خلقه كالأطفال مثلًا بالشفاعة له وأذن له بها فالشفاعة بهذا الاعتبار ما هي إلا تكأة أو وسيلة لإيصال رحمة الله إلى عباده ولم يكن لشخص الشفيع أي فضل على المشفع فيه من أجل ذلك.
ولا يجوز الاعتماد على شفاعة أحد ما عند الله حتى ولا الأنبياء بل: {لله الشفاعة جميعًا} وله الفضل كله: {ذلكم} الموصوف بالخلق والتدبير والتصرف في أمر الشفاعة يأذن بها لمن يأذن لمن ارتضى: {الله ربكم} الذي ربى أجسامكم وساس أموركم وأصلح أحوالكم: {فاعبدوه} أي فالجئوا إليه وادعوه كلما تحتاجون إليه فإنه تعالى يسمع النداء وقد أخذ على نفسه أن يستجيب الدعاء: {أفلا تذكرون} هذه الحقائق التي لا جدال فيها وتنسبونها أو تتجاهلونها بعبادة غيره ولجوئكم إلى سواه في النائبات.