فقال: {في ستة أيامٍ} أي إنه تعالى قد سن سنة التمهل والتأني في خلقه لها ولكل شيء وجعله سنة بين العباد: {ثم استوى على العرش} لقد اختلف العلماء في معنى الاستواء وتفرقوا شيعًا فقال فريق منهم إنه تعالى استوى على عرشه بمعنى اعتدل واستقام عليه كاستواء الملوك على عروشهم وهؤلاء هم المشبهة الحلوليون الذين لم يدركوا معنى قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} وقال علماء الخلف أن المراد إنه تعالى استولى على عرشه وقد عطلوا صفة من صفات الله التي وصف بها نفسه بمثل هذا التأويل ومن رأي علماء السلف الصالح. إنه تعالى مستو على عرشه استواء يليق بجلاله من غير تكيف وإذا كنا نسلم بأن جميع هذه الموجودات هي من صنع صانع ونؤمن بأنه الله، فلا بد لنا أن نوقن أنه تعالى لم يكن قبل خلق السموات والأرض أحد سواه وأنه تعالى هو القديم الأزلي ولا شك أنه عندما أوجد هذا العالم قد ألقى به في زاوية محدودة من قضائه الواسع غير المنظور أو غير المعلوم لدينا وقد أخبرنا سبحانه أنه جعل فوق سماء هذا العالم عرش ملكه ثم استوى عليه ومعنى هذا أن العالم المادي هو المحدود وأنه أسفل من عرش الرحمن، ومن هنا يجب أن نجزم بأنه تعالى أعلى من جميع المخلوقات علوًا حقيقيًا لا علو مرتبة ولا نستطيع أن نتصور كيفية استوائه على ذلك العرش ولا أن نعين مكانه جل وعلا من هذا العالم، المخلوق المحدود والمعروف الجهة أما الله الخالق فغير محدود ولا معروف الجهة. ويمكننا أن نمثل لذلك ولله المثل الأعلى بأن صانعًا أوجد عدة صناديق من خشب وألقى بها في زاوية مما يملكه من أرض واسعة له ثم صنع كرسيًا من الحديد أكبر من تلك الصناديق ثم وضعه بأعلاها ثم استوى عليه فهل يفهم من هذا ما يحدد مكان الصانع كلا وما الذي يمكن تحديده في هذه الحالة الكرسي والصناديق أم الصانع لها ولا شك إن قول الصانع الكرسي بأنه استوى عليه لا يقيده باستوائه عليه على الدوام كما لا يمكن أن يحدد موضع الصناديق بأكثر من أنها أسفل من كرسي الصانع دون باقي الجهات بالنسبة للفضاء الواسع فالله سبحانه بهذا الاعتبار أعلى من جميع المخلوقات ولا يمكن أن تتصور من قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} أنه جلس عليه أو اتخذ من ذلك العرش محل إقامة دائمة له أخذ على نفسه أن لا يبرحه أبدًا خصوصًا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مضى شطر الليل أو ثلثه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فيعطى هل من داع فيستجاب له