الكريم مناقبهم وفضائلهم الكسبية والوهبية، وأمر بالاقتداء بها حيث قال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} وبهذا اجتمع له عليه الصلاة والسلام من الكمال في شتى النواحي ما كان متفرقًا فيهم، وقد شهد الله له صلى الله عليه وسلم بأنه لم يشذ عما كان عليه أولئك الرسل، وأنه كان متعبًا لكل ما يوحي به إليه من القرآن، وأنه كان مصدقًا لما كان عليه سائر المرسلين من قبل، حيث قال تعالى: {قل ما كنت بدعًا من الرسل، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين} .: {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} فهو خاتم النبيين وآخر الصلة من البشر بين الخالق والمخلوقين، وقد ختم الله بنبوته اصطناع الأنبياء وقفل باب الرسالة في وجوه الأدعياء فلم يعد يصطفي لهذه المنزلة والمقام الرفيع إنسانًا وسوف لا يؤتى غيره من البشر قرآنًا وكان فيما أتى به من أخبار الأمم السابقة حجة قائمة على أنه من علام الغيوب، وإلا فمن أين له كل تلك الأخبار، وهي لم تدون في كتاب من الكتب السابقة قبل كما وردت في القرآن الكريم؟ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» ومن أجل هذا انقطع نزول الوحي بعده بقصد الرسالة إلى الناس ويراد به التكليم الإلهي الوارد في قوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب * أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} .
وقد وصفه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عند ما سأله الحارث بن هشام بقوله: كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ فقال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول» وهذا هو الناموس الذي كان ينزل على موسى وقد وقف الله تعالى نزوله بعد خاتم الرسل. وحظر على الناس أن يزعموا نزوله عليهم لما في ذلك من كذب عليه تعالى، إذ الوحي بهذا الشكل حق لا مرية فيه. أما غيره من أنواع الوحي كالرؤيا والإلهام، فقد يكون حقًّا من عند الله، وقد يكون بتأثير نفسي، أو توجيه من الشيطان. ومن أجل هذا حذر الله جل وعلا عباده من الكذب عليه ونسبة شيء إليه عن طريق الوحي الإلهي حيث يقول تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ} ولهذا لما ادّعى مسيلمة بن حبيب النبوة وزعم أنه قد