ولم يكد يذاع ذلك المنشور الإلهي على الناس حتى امتنع المشركون والكفار من ارتياد تلك البقعة الطاهرة من تلقاء أنفسهم ومن غير حاجة إلى صدهم عنها بالقوة وانتشر الخبر في الآفاق فأقبلت الوفود على رسول الله من كل حدب يعلنون دخولهم في الإسلام ويطلبون من يفقههم في دين الله ومن بين أولئك وفود من المشركين ووفود من أهل الكتاب فلا يجدون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما يزيدهم إيمانًا تامًا بالله وتصديقًا برسالته. وقد أقر الرسول كل من جاءه من الأمراء في إماراته على قومه، وقد سمي ذلك العام عام الوفود لتهافتهم على الدخول في دين الإسلام. وأوفد رسول الله معاذ بن جبل إلى أهل اليمن ليعلمهم الدين ويفقههم فيه وكانت وصيته له قوله عليه الصلاة والسلام: «يسر ولا تعسر، بشر ولا تنفر، وإنك ستقدم على قوم يسألونك مفتاح الجنة فقل شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» .
كما أوفد عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد إلى قبائل نجران وهي مقاطعة من اليمن يدعوها إلى الإسلام فلما بلغهم دعاهم إلى الإسلام فأسلموا وبعثوا وفدًا إلى رسول الله يعلنون إسلامهم وهكذا انتشر الإسلام في جزيرة العرب وخضع المشركون للدين الحق من غير إراقة دماء دون أن يجد الرسول حاجة إلى تنفيذ ما توعدهم به من القتال في سورة براءة. على أنه لو امتشق رسول الله الحام وتعقب المشركين الضالين في كل مكان يدعوهم إلى إطاعة أوامر الله خالقهم لم يكن في ذلك أي عدوان فالناس كلهم عبيد الله وهذا القرآن إنما أنزل من عنده تعالى لجميع البشر فمن واجبهم الانقياد إليه ومن واجبه التنكيل بكل متمرد لا يخضع لأحكامه.
هذا هو العدل وهذا هو المنطق الصحيح ولا اعتراض على هذا فالأديان التي سبقت لم تأت بمثل هذا الحكم والرسل السابقون إنما جاؤوا لشعوبهم فقط ولم يؤمروا من الله بتعميم الدعوة إلى الناس كافة بخلاف دين الإسلام فقد جاء به خاتم الرسل للناس كافة وأمر باتباع ما جاء في أول براءة فلم يتعد الرسول ذلك ولم يحاول قط أن يكره الناس على أن يكونوا مؤمنين.
ومن الغريب أن نسمع في عصرنا هذا من يتهم الإسلام بالتعصب الأعمى ومصادرة الحرية الشخصية ويتخذ من هذه الآيات دليلًا على القسوة وأنه فرض على الناس بالقوة وهو كما قدمنا بعيد عن ذلك كل البعد إذ التعصب الذي عليه المسلمون ما هو إلا تعصب ذاتي في العقيدة لما يرونه حقًّا لا شك فيه ولا شر منه كالدين والفضائل الإنسانية ورغبة صادقة في هداية الناس إليه