بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس معنى هذا أن المسلم يكره من كان على غير دينه بل إنه يرجو له الهداية ويتخذ كل الوسائل لإنارة طريقه في الحياة لما يقربه إلى ربه وينفعه في حياته الدنيا والآخرة، وهذه سيرة الرسول كلها ناطقة بأنه عليه الصلاة والسلام لم يهاجم قومًا في ديارهم بسلاحه لدعوتهم إلى الإسلام بل إنه فرق في المعاملة بين المشرك الذي لا يعترف بوجود الله خالق الأرض والسماء، وبين الكافر من أهل الكتاب الذي يزعم أنه يؤمن بالله ويجمد في اعتقاده عندما اتصل بعلمه من أحكام دينه عن طرق أولئك الذين نقلوه إليه بعد مئات السنين محرفًا مشوشًا، وقد بدلوا فيه وغيروا وأدخلوا فيه ما ليس منه. وعندما جاءهم الرسول محمد من عند الله مصححًا لما ورد في كتبهم وهاديًا إلى الحق أعرضوا عنه وسدوا آذانهم عن سماع ما جاء به ولذلك سماهم كفارًا أي جاحدين معاندين لأنهم لا يبحثون عن الدليل فيما قدم إليهم ولا يذعنون للحجة إذا قامت عليهم مندفعين إلى هذا بمجرد التمسك بما كان عليه آباؤهم وتقليدهم في ذلك تقليدًا أعمى وحسبهم في ذلك أن يقولوا إنا نؤمن بالله كما تؤمنون ونوحده كما توحدون ونصلي كما تصلون وكل ما هنالك أنا نقدس عيسى وأمه ونتخذهما شفعاء لنا لديه ونعظم أولياءه من رجال الدين ونتوسل إليهم ليقربونا إليه زلفى. وقد أمر الله رسوله أن يخاطب هؤلاء بقوله: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي أن الإله الذي تزعمون أنكم تعبدونه ليس هو الذي أعبده لأنكم إنما تعبدون إلهًا له ولد وله شفعاء وأنا أعبد إلهًا منزهًا عن ذلك: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي ولستم بعابدين إلهي الحاكم العادل الذي لا يتقرب إليه إلا بإخلاص التوحيد والعمل الصالح أما إلهكم الذي تعبدونه فإنكم تعتقدون أنه يحابي ويجامل ويقبل في حكمه الوسائط التي تتقربون إليه بتعظيمها: {ولا أنا عابد ما عبدتم} أي وليست عبادتي كعبادتكم: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي ولا عبادتكم كعبادتي فعبادتي خالصة لله وحده وعبادتكم مشوبة بالشرك مصحوبة بالغفلة عن الله: {لكم دينكم ولي دين} أي لا مشاركة بين ما أدعو إليه وما أنتم عليه.
وما كان للأمم والشعوب التي تدعي الحرية والديمقراطية اليوم وتحارب الشيوعية في كل مكان باعتبارها مبادئ هدامة للنظام الاقتصادي القائم أن تنتقد الإسلام إذا هو محل على محاربة مبادئ الشرك الهدامة وفي مقدمتها الشيوعية من قبل مئات السنين. وما يكون للدول التي تقيم الحضارة وتحمي الآداب وتحرم العراء على فريق من الناس في أماكن خاصة أن تنتقد الإسلام