الصفحة 1090 من 1760

به وأكد له أمر الوفاء به وإنجازه وضمن له بمقتضاه السعادة في الآخرة. وهنا أراد الله أن يبين حقيقة من يعنيهم بالمؤمنين الذين اشترى أنفسهم فقال هم من تتوفر فيهم ثمان صفات إيجابية وصفة سلبية تميزهم عن غيرهم من المنافقين وضعاف الإيمان الأولى: {التائبون} أي الذين يرجعون إلى الله بالتوبة كلما اقترفوا ذنبًا وفي هذا إشارة إلى أنه لا يراد بالمؤمنين الذين لا يرتكبون المعاصي كليًا فأولئك هم الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم الثانية: {العابدون} أي الذين يتوجهون دائمًا إلى الله بدعواتهم ويخلصون له أعمالهم ولا يستعينون بأحد سواه الثالثة: {الحامدون} أي الذين يعتقدون أنه لا تقع ضر ولا خير إلا منه ولذلك فإنهم يحمدونه جل وعلا في السراء والضراء على نعمه التي لا تحصى الرابعة: {السائحون} في الأرض لطلب العلم أو نشر الدعوة للإسلام أو لكسب الرزق والنفقة في سبيل الله الخامسة والسادسة: {الراكعون الساجدون} لله في صلواتهم وفي هذا إشارة إلى أن المقصود من الصلاة إنما هو الخضوع التام الذي لا يكون إلا لله السابعة والثامنة: {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} أي الذين يدعون الناس إلى أعمال الخير بالحسنى وينهونهم عن المعاصي بقدر المستطاع أما الصفة السلبية التاسعة فهي قوله: {والحافظون لحدود الله} بمعنى الذين لا يتجاوزون حدود ما يجب وما يحظر على المؤمنين بحسب أحكام الشريعة الإسلامية: {وبشر} أيها الرسول: {المؤمنين} الموصوفين بهذه البضع الصفات بصحة إيمانهم وتقبل أعمالهم. وإن في تعداده تعالى لهذه الصفات ما يشير إلى ضرورة اعتماد المؤمن على قبول ما يقدمه من الأعمال الصالحات المذكورة لا أن يظل في شك من مزايا أعماله فيهمل أمرها اعتمادًا على شفاعة الشافعين أو دعاء الداعين له. ولأجل أن يبالغ الله في حض الناس على العمل ويقطع كل أمل لهم في شفاعة الشافعين أو حتى دعاء الداعين أنحى باللائمة على رسوله وخاتم أنبيائه لأنه حاول أن يستغفر لعمه أبي طالب وجاء إليه في مرض موته يقول له: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» وصار يكررها فقال أبو طالب يا ابن أخي لولا أن تعيرني بها قريش يقولون ما حمله على ذلك إلا جزع الموت لأقررت بها عينك ولكني أريد أن أموت على ملّة عبد المطلب فأنزل الله قوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} أي ليس من شأن النبي ولا مما يمكن صدوره عنه من حيث هو نبي ولا مما يجوز أن يقع من أحد من المؤمنين أن يدعوا الله طالبين منه المغفرة للمشركين بحال من الأحوال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت