حتى: {ولو كانوا أولي قربى} أي الذين لهم حق البر وصلة الرحم فكيف بمن لم يكونوا كذلك: {من بعد ما تبين لهم} من إصرارهم على الكفر والنفاق: {أنهم أصحاب الجحيم} وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم «استأذن ربه في زيارة قبر أمه فأذن له فذهب وجلس بالقرب منه ثم بكى طويلًا وقال استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن» وهذا نص في تحريم الدعاء بالمغفرة والرحمة لمن مات كافرًا وأسوأ من هذا من يقول عنهم بعد موتهم «المغفور له أو المرحوم فلان» لما في ذلك من افتئات على الله وافتراء عليه في أمر لم يحصل منه: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه} مع أنه كان نبيًّا: {إلا عن موعدة وعدها إياه} في حياته إذ كان يرجو إيمانه: {فلما تبين له} بإصراره على الكفر: {أنه عدو لله تبرأ منه} وانقطع عن الدعاء له: {إن إبراهيم لأواه} كثير التأوه والتحبب على ضلال والده: {حليم} أي أن إبراهيم لم يسعه أمام إصرار أبيه على الكفر إلا أن يبدي حسرته ويكتم غيظه منه: {وما كان الله} أي ليس من شأن الله ولا مما يتصور صدوره منه جل وعلا: {ليضل قومًا} أي أن يقضي بالضلال على قوم من تلقاء نفسه: {بعد إذ هداهم} أي بعد أن منحهم وأنعم عليهم بوسائل الهداية من السمع والبصر والعقل: {حتى يبين لهم} عن طريق رسله وكتبه المنزلة: {ما يتقون} أي ما ينبغي اجتنابه من الأقوال والأفعال فإذا ما ضل الناس بعد هذا فإنما ذلك عائد لمشيئتهم التي منحها الله لهم وفق دستوره: {إن الله بكل شيء عليم} وبمقتضى علمه هذا شرع لهم من الأحكام ما تكمل به قوتهم وتتم به هدايتهم وتصلح به أحوالهم فإذا هم لم يتبعوها وضلوا عن سواء السبيل فلا يجوز عقلًا ومنطقًا أن يقال إن الله قد أضلهم بل إنما جرمهم على أنفسهم: {إن الله له ملك السماوات والأرض} أي أن حكمه تعالى نافذ فيهما وهو: {يحيي ويميت} أي أنه هو الذي يمنح الحياة ويسلبها لا معارض لحكمه: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} أي وليس لكم أيها المؤمنون أحدًا غير الله يتولى أموركم ولا نصير ينصركم فعليكم أن لا تحيدوا عن اتباع شريعته وسلوك ما رسمه لكم من سبل الهداية ولا تركنوا إلى غيره حتى ولا عن طريق الأمل في دعائهم وشفاعتهم لكم.
بعد أن أنحى الله باللائمة على رسوله لأنه حاول أن يستغفر لعمه أبي طالب وأبى عليه الدعاء لأمه وأخبر أنه ليس من حق المؤمنين أن يستغفروا للمشركين وكان من عادة المسلمين أن يستغفروا لآبائهم وأمهاتهم وسائر أقربائهم ممن مات على الكفر فلما نزلت هذه الآية داخلهم