عليهم بمعنى يتجاوز عن سيئاتهم بمحض رحمته التي وسعت كل شيء لما يعلمه جل شأنه من بساطتهم وحسن نيتهم: {والله عليم} بمن يستحق العذاب أو يستدعي الرحمة: {حكيم} في إرجائه أمر هؤلاء إليه جل جلاله ليكون هذا سبيلًا لدخول الهم والخوف إلى القلوب فيدعوهم إلى الاعتراف بذنوبهم ليدخلوا في عداد من ترجى لهم التوبة والرحمة من الله.
بعد أن أخبر رسوله بأن بين المسلمين من هم مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم وهذا قد يشمل بعض المنافقين أردف ذلك ببيان ما يجب على الرسول حيال مكايدهم ضد الإسلام فقال: {والذين} وفي قراءة بغير واو: {اتخذوا مسجدًا} هم جماعة من منافقي أهل المدينة بنوا لهم مسجدًا بالقرب من مسجد قباء زعموا أنه لذي العلة والحاجة والليلة الشاتية وطلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي فيه ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته فاعتذر لهم بأنه على جناح سفر إلى تبوك ووعدهم بذلك أثناء عودته من هناك فلما قفل راجعًا إلى المدينة وفكر في البر بوعده للقوم نزل عليه جبريل يبلغه أمر ربه بعدم الصلاة فيه، ووضح له الأسباب الداعية لذلك وكشف له عن نوايا القوم ومقاصدهم التي تجلت في بنائهم لذلك المسجد والتي يجب أن تلاحظ وتتقى عند بناء المساجد في سائر الأوقات وهي أربعة المقصد الأول قوله: {ضرارًا} أي أنهم إنما بنوا مسجدهم بالقرب من مسجد قباء لمضارة المؤمنين ومضادة لهم في الاجتماع للصلاة فيه وإلا فلا داعي لهذا التعدد، المقصد الثاني: {وكفرًا} أي ليكون منه وسيلة لتمكين المنافقين من ترك الصلاة مع خفاء ذلك على المؤمنين لعدم اجتماعهم في مسجد واحد وللتشاور بينهم في الكيد لرسول الله، المقصد الثالث: {وتفريقًا بين المؤمنين} أي أن يكون الاجتماع في هذا المسجد سبيلًا لتفرق كلمة المسلمين مع أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع الجماعة ويعتبر المساجد بيوتًا له إلا ليجتمعوا فيها ويتعارفوا ويتحابوا وتجتمع كلمتهم وهذا يدل على أن بناء المساجد لا يكون قربة مقبولة عند الله إلا إذا كانت بقدر حاجة المؤمنين في كل حي، المقصد الرابع: {وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل} أي أن يكون وكرًا يجتمع فيه أعداء الله ورسوله الأقدمون للتجسس على المؤمنين الصادقين المجتمعين في مسجد قباء، هذه هي الأسباب الحقيقية لبناء المنافقين لمسجدهم فصلها الله لرسوله وأخبره أنهم سينفون ذلك بكل شدة حيث قال: {وليحلفن} بالله: {إن أردنا} ببناء هذا المسجد: {إلا الحسنى} أي الغاية الحميدة وهي الرفق