بالسخط على ذواتهم بل على أعمالهم السيئة التي هي السبب المباشر لسخط الله عليهم فلا يمكن أن يرضى الله عنهم إلا إذا سلكوا السبيل الذي سنه تعالى لنيل رضاه وهو الإيمان والعمل الصالح.
بعد أن بين الله ما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا من أهل المدينة ولما كان الله جل جلاله قد سبق له أن امتدح المعذرة من الأعراب الذين تقدموا للإذن لهم وفضح الذين تخلفوا عن الخروج أخذ يفصل حال الأعراب منافقهم ومؤمنهم فقال: {الأعراب} اسم جنس لبدو العرب بحكم بيئتهم التي ينشئون فيها: {أشد كفرًا ونفاقًا} من أمثالهم من أهل الحضر ذلك لأنهم نشئوا على الفطرة ومخالطة الأنعام فهم ينفرون من كل جديد ويستوحشون من الأليف ولا يستسيغون غير ما ألفوه ولو كان في ذاته حسنًا شهيًا وهم بذلك قد طبعوا على الغلظة وقسوة القلب: {و} هم لبعدهم عن المدن وعدم مخالطتهم لأهل العلم والأدب: {أجدر} أي أحق وأنسب من أهل الحضر: {ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} من البينات والهدى في كتابه الكريم وفهم ألفاظ القرآن وتدبر آياته: {والله عليم} بهذه الطبائع التي جبلوا عليها: {حكيم} إذ لم يجعلهم في عداد الوحوش النافرة أو الأعداء المحاربة بل أخضعهم لسلطانكم وجعلهم على ثلاثة أقسام عبر عن الأول بقوله: {ومن الأعراب من} أي فريق يظل على وحشيته لا يؤمن بالله ولكنه يؤدي الزكاة و {يتخذ ما ينفق} أي ما يؤمر بدفعه: {مغرمًا} أي غرامة وهي ما يلزم الإنسان بدفعه ويدفعه على كره منه: {ويتربص بكم الدوائر} أي ينتظر أن تنزل بكم بوائق الدهر فتزول دولتكم ويضعف سلطانكم فيخرجوا عن طاعتكم ويستريحوا من أداء هذه المغارم لكم فهؤلاء: {عليهم دائرة السوء} بفتح السين وقرئ بضمها أي أن الله سيوقع بهم ما يسوءهم من نصر الله وتأييده لكم عكس ما كانوا يؤملون ويتربصون: {والله سميع} لما كانوا يقولون لعمال الزكاة من العبارات مراءاة لهم: {عليم} بما تخفيه قلوبهم من نقمة وأمل في الخلاص من دفع تلك النفقات، وعبر عن القسم الثاني من المنافقين بقوله: {ومن الأعراب} فريق آخرهم: {من يؤمن بالله واليوم الآخر} إيمانًا صادقًا يدفعهم إلى المبادرة بعمل الصالحات وأداء الواجبات: {ويتخذ ما ينفق قربات عند الله} أي يحتسب أجرها عند الله: {وصلوات الرسول} أي ويرجو إلى جانب هذه دعاء الرسول لأنه صلى الله عليه وسلم كان من عادته أن يدعو للمتصدقين ويستغفر لهم: {ألا} أداة تنبيه للدلالة على الاهتمام بما يأتي بعدها من قوله: {إنها قربة لهم} أي أن إنفاق المال بقصد القربة إلى الله