الصفحة 1081 من 1760

أقوالهم: {إنهم رجس} أي قذرون قذارة حسية ينبغي التنزه عن القرب منهم كما يتحرز نظيف الثوب والبدن عن التلوث بأنواع النجاسات، وقد ثبت رجسهم من انغماسهم في أعظم السيئات وهو الحلف بالله كاذبين تخلصًا من عتب العاتبين، وهذا هو الضلال المبين الذي سيلقون عقابه وهو قوله: {ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون} في الدنيا من أعمال النفاق أو الكفر والشرك التي فصلها الله وحذرهم منها لا لأن الله قد كتبها عليهم في أزله فلا سبيل إلى تخلصهم منها كما يتصور بعض العلماء الذين لا يؤمنون بمزايا العمل استنادًا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم «لن يدخل أحدًا عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» ولهذا أخذوا يتلمسونها عن طريق الوسطاء والشفعاء وفاتهم أن هذا الحديث لا يتنافى مع الآيات الكثيرة الدالة على أن الجزاء إنما يترتب على الأعمال، ذلك لأن الله سبحانه لو أراد أن يعذب سائر البشر ويدخلهم النار ما كان هناك ما يمنعه من ذلك ولكنه تفضل بمحض رحمته وعدله أن يجعل الإيمان والعمل الصالح سبيلًا لدخول الجنة فإذا عمل الإنسان الصالحات ودخل الجنة بها فهو إنما دخلها برحمة الله التي اقتضت ذلك لا لمجرد العمل الذي لو صدر من الكافر لا يدخله الجنة. كذلك فإن من رحمة الله أن جعل الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها فإذا ما رجحت الحسنات على السيئات فذلك من رحمة الله وبهذا يتضح أن العمل الصالح من المؤمن هو نواة الرحمة وسبيل دخول الجنة لا أنه لا قيمة له وأن اتخاذ الوسطاء والشفعاء إلى الله ودعوة غيره في النائيات كل هذه من الأعمال السيئة التي عابها الله على المشركين والكافرين وجعل صدورها من المسلمين سبيلًا للاصطلاء بنار جهنم، ولجهل المنافقين بهذه الحقيقة تراهم يكابرون فيها ويأبون الاعتراف بانحرافهم عن الدين الحق الخالص من شوائب الشرك: {يحلفون لكم لترضوا عنهم} أي أنهم يحلفون لكم أيمانًا مغلظة تجلب رضاءكم بأنهم يؤمنون بالله إيمانًا كإيمانكم وأنهم بعيدون كل البعد عن النفاق، فحذار من تصديقهم والرضاء عنهم فإن كثرة الحلف بالله من علامات النفاق إذ المنافق يشعر دائمًا بأنه متهم بالكذب فيحاول نفي ذلك عنه بالحلف بالله ولم يكن حلفهم إلا لتعاملوهم بظاهر إسلامهم ولو كانوا مؤمنين حقًّا لما حرصوا على رضائكم عنهم اكتفاء بعلم الله بهم ورضائه عنهم: {فإن ترضوا عنهم} أي وكان عليهم أن يعلموا أنكم إن رضيتم عنهم وصفحتم عما سبق منهم: {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} أي أن دستور الله لا يتعلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت