الصفحة 1080 من 1760

لقد كان إنزال سورة براءة فاتحة عهد جديد للدعوة الإسلامية التي بدأت في مكة بالوعظ والإرشاد ثلاثة عشر عامًا ثم تطورت في المدينة إلى تنفيذ أوامر الله بالحكم بين الناس والدفاع عن كيان تلك الدولة الناشئة ومعالجة الأمور بالسياسة واللين تارة والحزم والشدة تارة أخرى إذ أعلن الله المشركين ببراءته ورسوله من المعاهدات السابقة وفق تشريع خاص أذاعه عليهم يوم الحج الأكبر حدد فيه موقفه منهم ودعاهم إلى الإيمان بالله ثم عقب على ذلك بتنبيه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى من هم أشد خطرًا على الإسلام من المشركين وهم المنافقون وكشف أسرارهم وفند أعذارهم عن الاستجابة لدعوتهم إلى الجهاد معه في غزوة تبوك ووصفهم بأعمالهم وتصرفاتهم التي طبعوا عليها ليتمكن أولو الأمر في كل عصر من التمييز بينهم وبين المؤمنين الصادقين وأخبره بحكم الله فيهم ثم ختم الموضوع ببيان من يعذر ومن لا يعذر في القيام بواجب الجهاد، وشرع هنا في بيان ما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا من أهل المدينة عن غزوة تبوك إثر عودتهم إليها فقال: {يعتذرون إليكم} أيها المؤمنون: {إذا رجعتم إليهم} من سفركم هذا وهم لا يعلمون أن الله قد أطلعكم على حقيقة أمرهم: {قل} أيها الرسول لهم كفى خداعًا وتمويهًا: {لا تعتذروا لن نؤمن لكم} أي لن نصدقكم بعد اليوم: {قد نبأنا الله} بوحيه وبما أنزله في القرآن عنكم: {من أخباركم} أي بحقائق أموركم وما تكتمونه في ضمائركم، ومن عرف الحق لم تعد تنطلي عليه الأباطيل من الأعذار المزيفة أو المصطنعة: {وسيرى الله عملكم} أي ما يكون منكم من إصرار على النفاق أو توبة وإذعان بالإيمان: {ورسوله} بما يبدو من أعمالكم التي تشهد بصلاح سريرتكم وإقلاعكم عن النفاق: {ثم تردون} أي ترجعون: {إلى عالم الغيب} الذي لا تخفى عليه السرائر: {والشهادة} أي ولا ما يظهر بالشهادة: {فينبئكم بما كنتم تعملون} أي إنكم ستجدون الجواب العملي لأعمالكم وفق ما وعدكم به في هذه السورة وغيرها كقوله تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} وهنا أخبر الله المؤمنين بمبلغ إصرار المنافقين على الكفر فقال: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم} بصحة أعذارهم برغم قولكم لهم: {قد نبأنا الله من أخباركم} فكأنهم لا يصدقون ويكابرون ويحاولون إقناعكم بالقسم بأغلظ الأيمان: {لتعرضوا عنهم} أي لمجرد الكف عن عتبهم وتوبيخهم على القعود مع المخلفين: {فأعرضوا عنهم} أي كفوا عن عتبهم أخذًا بالقسم الذي أدوه وإن كنتم مقتنعين بكذبهم وحنثهم فيه فأنتم ملزمون بمؤاخذتهم بحسب الظاهر من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت