الجهلة من سكان البادية: {ليؤذن لهم} في التخلف عن الخروج امتثالًا للنفير العام: {وقعد} عن القتال: {الذين كذبوا الله ورسوله} من المنافقين: {سيصيب الذين كفروا منهم} أي من الأعراب: {عذاب أليم} في الدنيا بما سينالهم من ذل واستعباد وفي الآخرة باصطلائهم بنار جهنم.
بعد أن وازن الله بين تصرفات المنافقين والمؤمنين التي يترتب عليها جزاؤهم بما يستحقون وبين مبلغ حرص الجاهل من الأعراب على الاستئذان برغم عذره وقعود المكذبين من غير مبالاة أراد أن يشرح الأعذار الشرعية التي لا يؤاخذ صاحبها على القعود في أداء هذا الواجب ليتبين لكل إنسان من نفسه عذره أو مؤاخذته أمام ربه فقال: {ليس على الضعفاء} جمع ضعيف وهو ضد القوي أي من لا قوة له على حمل السلاح وتحمل مشاق القتال كالشيوخ والعجزة ويشمل ذلك الصبيان والنساء: {ولا على المرضى} مرضًا جسمانيًا يقعدهم عن القتال أو نفسيًا يحملهم على الخوف والهلع والتقهقر عند احتدام القتال: {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} أي الفقراء الذين لا يملكون نفقتهم ونفقة من يعولون: {حرج} أي ضيق في حكم الشرع بمعنى لا يأثم كل هؤلاء لأنه تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها: {إذا نصحوا لله ورسوله} أي بشرط أن يكونوا في حالة قعودهم يعملون على نصح غيرهم بالخروج للقتال ويبدون لهم أسباب تأخرهم لئلا يتخذ المنافقون من تخلفهم ذريعة للتخلف أيضًا، وهنا أراد الله أن يبين مادة من مواد دستوره السماوي التي انتفى بسببها الحرج عمن ذكر فقال: {ما على المحسنين من سبيل} أي ليس لأحد أدنى سبيل لمؤاخذة من كان محسنًا في أعماله، ولما كان هؤلاء قد نصحوا لله ورسوله فهم محسنون ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه في الحرج بل يتعين جزاء إحسانهم بالإحسان وفقًا لقوله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ولذا أردف هذه الجملة بما يشعر بأنه سبحانه سيشملهم بفضله ورحمته حيث قال: {والله غفور رحيم} أي من شأنه تعالى أن يستر على المقصرين ويرحم من يستحق الرحمة من المخلصين الذين يؤدون واجب النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} أي ولا حرج أيضًا على الأقوياء القادرين على حمل السلاح والذين قدموا أنفسهم طواعية إليك متطوعين للجهاد راغبين فيه ولكنك رفضت أخذهم لعدم وجود وسائل النقل لديك فلما اعتذرت لهم بذلك: {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع} أي انصرفوا من مجلسك والدموع تتساقط من أعينهم: {حزنًا}