بذور النفاق وفق سنن الله في الخلق فقال: {ومنهم} أي من المنافقين: {من} كان سبب نفاقه أن: {عاهد الله} أي نذر في نفسه نذرًا هو قوله: {لئن آتانا من فضله} مالًا وجاهًا أو أي أمر من الأمور النافعة أو التي عينها: {لنصدقن} بكذا من المال: {ولنكونن من الصالحين} أي ننتظم في سلك الصالحين القائمين بحقوق الله وحقوق عباده: {فلما آتاهم} الله: {من فضله} ما طلبوا من الرزق أو الجاه وحقق لهم أمانيهم: {بخلوا به} أي بالوفاء بنذرهم: {وتولوا} أي أعرضوا عن سلوك سبيل الصالحين: {وهم معرضون} أي واستمروا على إعراضهم بحيث إذا ذكروا بما يجب عليهم لا يذكرون: {فأعقبهم} أي فكان عاقبة ما ذكر بحسب سنن الله في الطبائع والأخلاق أن البخل والإعراض عن سلوك سبيل الصلاح بعد العهد الذي قطعوه على أنفسهم لله من شأنه أن يورث النفوس: {نفاقًا في قلوبهم} التي لم تعد تحترم عهد الله ولم تكترث بعذابه وبهذا يصبح النفاق طبعًا ملازمًا لهم: {إلى يوم يلقونه} أي إلى أن يلقوا جزاءه قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» وذلك لسببين اثنين أولهما: {بما أخلفوا الله ما وعدوه} ومن أخلف وعد الله فهو يخلف وعد غيره أجدر وثانيهما قوله: {وبما كانوا يكذبون} على الناس ويضللونهم بعهودهم التي لا ينوون الوفاء بها: {ألم يعلموا} أي أولئك المنافقون الذين يعاهدون ولا يفون: {أن الله} الذي أعطوا العهد له وباسمه: {يعلم سرهم} الكامن في أعماق قلوبهم في حالة إذا بيتوا النية بعمل خير ثم لم ينفذوه: {ونجواهم} فيما إذا وعدوا أحدًا ونذروا له شيئًا ثم لم يعطوه إياه: {وأن الله علام الغيوب} أي كل ما كان وما سيكون لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} فكيف يجرؤون على النفاق ويكذبون على الله فيما يعاهدونه به وعلى الناس فيما يحلفون عليه باسمه وقد ورد في الحديث أن هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب من الأنصار أتى مجلسًا فأشهدهم وقال لإن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت وجعلت منه للقرابة فابتلاه الله فآتاه من فضله فأخلف ما وعده فأغضب الله بما أخلفه ما وعده وقص الله شأنه في القرآن.
بعد أن نبه الله رسوله إلى أن من الأعمال الكسبية ما من شأنه أن يفسد الأخلاق ويورث النفاق وهو عدم الوفاء بعهد الله أخذ يشير إلى بعض مظاهر تبدو للعيان شاهدة على ما في القلوب