إلا على ما كان خالصًا له وابتغاء مرضاته: {وأولئك هم الخاسرون} الذين عملوا أعمالًا وقدموا أموالًا بدون مقابل، وهنا أراد جل جلاله أن ينبه المنافقين إلى مصير من كان قبلهم وهم يسيرون بسيرتهم اليوم بأنه مكنهم في الدنيا وآتاهم من ملذاتها ليمتحنهم ويكون لهم من ذلك عبرة فقال: {ألم يأتهم} أي المنافقون: {نبأ الذين من قبلهم قوم نوح} الذين أهلكهم الله بالطوفان: {وعاد} الذين أهلكهم الله بإرسال الريح العقيم عليهم: {وثمود} الذين أهلكهم الله بالصيحة والصاعقة: {وقوم إبراهيم} الذين سلب الله عنهم نعمه وقد رُوِيَ في الأخبار أنه تعالى سلط بعوضة في دماغ النمروذ فأهلكته: {وأصحاب مدين} وهم قوم شعيب الذي أهلكهم الله بالرجفة أي الزلزلة: {والمؤتفكات} جمع مؤتفكة ومعنى الانتفاك في اللغة الانقلاب ويعني بهم قوم لوط الذين أهلكهم الله بأن جعل عالي أرضهم سافلها وأمطر عليهم الحجارة كل هؤلاء: {أتتهم رسلهم بالبينات} أي الدلائل القائمة على وجود الله ووجوب طاعته والعمل بما يرضيه فأعرضوا واستمروا في الانغماس في الشهوات فأهلكهم الله بتلك الظواهر الكونية التي يملك أن ينزلها على المنافقين وكل من لا يؤمن به أو يمعن في ارتكاب المعاصي والسيئات في كل وقت: {فما كان الله ليظلمهم} أي فما كان الله ليفعل بهم ما فعل لرغبة منه في تعذيبهم فهذا يتنافى مع عدله تعالى ورحمته الواسعة: {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي وإنما حصل ذلك نتيجة ظلمهم لأنفسهم واتباعهم للسنن التي تؤدي بهم إلى العذاب وفق أحكام الله القدرية ومشيئته الأزلية التي أخبرهم بها وحذرهم من إتيانها فاقترفوها والمراد من ضرب هذا المثل إنما هو تنبيه الناس في سائر العصور إلى أن سنة الله في عباده واحدة ولا ظلم فيها ولا محاباة فلا بد أن يحل بهم من العذاب ما حل بأمثالهم من أقوام الرسل إن لم يتوبوا ولقد تباعد العهد بمن سبق من تلك الأمم التي انقرضت حتى لم يعد لخوف الله محل في قلوب الناس وما فتئت النذر تتوالى على البشر بأنواع من العذاب الخاص والعام يغشاهم في كل شعب وفي كل قطر وتتناقل أخباره في الصحف والإذاعة من زلازل وطوفان وأمراض سارية فتاكة الأمر الذي يدعو المؤمنين إلى الرجوع إلى الله والتوبة إليه ولا حياة لمن تنادي وما زالت الدول تتبارى في اختراع وسائل التدمير ليرموا بها إخوانهم في الإنسانية كأنما هم يستعجلون الأمر لإنزال العذاب بهم قبل حلول يوم القيامة يوم تبدل الأرض غير الأرض وقانا الله من شرهم وأصلح قلوبنا ووفقنا إلى ما فيه رضاه.