وريبهم وترددهم: {فثبطهم} وفق سننه في خلقه التي تقضي بأن التردد في الأمور من شأنه أن يحمل الناس على عدم الحزم والإقدام ويؤدي إلى ضياع الفرص وفوات الأوان وتوالي الحسرات: {وقيل} أي قال بعضهم لبعض: {اقعدوا مع القاعدين} وزين لهم الشيطان ذلك فاستجابوا له واعتذروا عن الخروج وهنا ذكر الله الحكمة في كراهته لانبعاثهم بقوله: {لو خرجوا فيكم} أيها المجاهدون: {ما زادوكم} شيئًا من قوة اللهم: {إلا خبالًا} أي اضطرابًا في الرأي وخللًا في النظام فجيش قليل قوي الإيمان متحد في الرأي مطيع للقيادة خير من كثير وجل ضعيف العزيمة متفرق في كل شيء: {ولأوضعوا خلالكم} أي لاندسوا في صفوفكم وأدخلوا الرعب في نفوسكم وفرقوا كلمتكم: {يبغونكم الفتنة} أي يريدون أن يفتنوكم في دينكم ويحملوكم على التراجع عن القتال ويرهبوكم من قوة الأعداء: {وفيكم} أناس حديثو عهد بالإسلام: {سماعون لهم} يتأثرون بالأقوال وليسوا من أولي العزم حتى يؤمن عليهم من الفتنة: {والله عليم بالظالمين} أي محيط علمًا بذواتهم وسرائرهم وأعمالهم وما يترتب على خروجهم معكم من آثار سيئة لا يريدها الله لكم فجعل من ترددهم سببًا في خلاصكم منهم: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} أي من قبل غزوة تبوك بما كان منهم في غزوة أحد عندما قال عبد الله ابن سلول زعيم المنافقين عن الرسول صلى الله عليه وسلم لقد أطاع الولدان ومن لا رأي له وعصاني فلا ندري علام نقتل هاهنا وما زال كذلك حتى تقهقر بنحو ثلث الجيش من المنافقين وثبت الله الآخرين وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} وقد فصلنا الموضوع في الصفحة 9 من الجزء الرابع: {وقلبوا لك الأمور} أي دبروا لك الحيل والمكائد: {حتى جاء الحق} بنصره تعالى لك تنفيذًا لوعده على الذين لم يكونوا ليؤمنوا به من قبل: {وظهر أمر الله} أي تجلت قدرة الله على نصر نبيه برغم تخاذل المنافقين وانصرافهم عنه: {وهم كارهون} أي وما كانوا يريدون ذلك النصر لنبيه والمجاهدين الثابتين معه.
{ومنهم} أي من أولئك المنافقين المتخلفين عن الجهاد: {من} لا يخجل أن يقتبس لك من الأعذار ما هو أوهى من بيت العنكبوت إذ: {يقول ائذن لي ولا تفتني} وهو الجد بن قيس من شيوخهم قال الرسول صلى الله عليه وسلم له أثناء التجهيز للسفر إلى تبوك ما تقول في مجاهدة بني الأصفر فأجاب أتأذن لي يا رسول الله فإني رجل أحب النساء وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني