رضي الله الرحيم بصلب ابنه: {ذلك قولهم} الذي قالوه في عزير والمسيح: {بأفواههم} فلا يمكن لهم أن يتناصلوا منه وهو قول مجرد عن البرهان أشبه بالمهمل الذي يمر في الأفواه فهم إذ يقولون بالتثليث تأباه عقولهم ولذلك نراهم يقولون إن الثلاثة في حكم الواحد: {يضاهئون} بالهمزة وكسر الهاء وقرئ بغير همزة وضم الهاء به: {قول الذين كفروا} بالله: {من قبل} من مشركي العرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله: {قاتلهم الله أنى يؤفكون} أي كيف يصرفون الناس عن حقيقة التوحيد والتنزيه للخالق الذي جاء به سائر الرسل إلى الباطل الذي لا برهان عليه.
الثانية: اعتقادهم أن لغير الله سلطانًا مع الله وهذا أمر لم يأت في إنجيلهم أيضًا والإسلام ما جاء إلا ليحرر الناس من رق العبودية لغير الله. ممن لا يضر ولا ينفع ولا يشفع ولا يغني من الله شيئًا والحرية هي أقصى أماني الإنسان في الحياة فلو تدبر اليهود والنصارى القرآن وعرفوا حقيقة الإسلام لما ترددوا لحظة واحدة في نبذ تلك الخرافات التي يمليها عليهم قساوستهم ورهبانهم مما لا يقبله العقل ولا يقره المنطق السليم من ضرورة الاعتراف لهم بالذنوب وطلب الغفران منهم مما هم منغمسون فيه وقد أشار الله إلى هذه النقطة بقوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا} يعظمونهم كتعظيمه ويحبونهم كحبه وينسبون إليهم من التصرفات ما لا يقدر عليه غير الله ويطيعونهم في كل ما يأمرونهم به: {من دون الله} فإذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه وإذا أمروهم بدعاء غير الله استجابوا لهم وأطاعوهم عاقين قوله الله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا} قال عدي بن حاتم الطائي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب وكان يقرأ سورة براءة فقال يا عدي اطرح هذا الوثن فطرحته فلما انتهى إلى قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} فقلت يا رسول الله ما كنا نعبدهم فقال أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه فقلت بلى فقال تلك عبادتهم: {والمسيح ابن مريم} بأن جعلوه ابنًا لله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولما كانت الربوبية تستلزم الألوهية بالذات إذ الرب هو الذي يجب أن يعبد وحده قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا} لا يطيعون في الدين سواه إذ هو وحده الذي يملك حق التحليل والتحريم: {لا إله إلا هو سبحانه} ننزهه ونقدسه: {عما يشركون} معه أو من دونه من الأنبياء والأحبار والرهبان: {يريدون} أي النصارى واليهود: {أن يطفئوا نور الله} حجته الدالة على دعوة التوحيد